رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكاية ساعة قبل الفطار.. معـه دائماً

حكاية ساعة قبل الفطار..
حكاية ساعة قبل الفطار.. معـه دائمًا

رمضان يأتي كل عام محملاً بالذكريات والروائح والأصوات، يذكرك بالضحكات التي ملأت البيت، واللحظات الصغيرة التي تصبح خالدة في الذاكرة.

في شهر الصيام، هناك طقوس لا تتكرر إلا مرة واحدة في السنة، ساعات قبل مدفع الإفطار، حين يكون لكل شيء توقيته الخاص، وللحياة طعم آخر.

في هذه القصة من المجموعة القصصية "حكاية ساعة قبل الفطار" للكاتب إبراهيم عبد المجيد، نروي لكم قصة «معه دائمًا»، عن رجل يشارك العائلة في إعداد الإفطار، عن تفاصيل دقيقة ومهام صغيرة لكنها تحمل معها فرحة ودفء عائلة، وعن حب لا يتغير، رغم مرور السنوات وفقد الأحبة.

هنا رمضان ليس مجرد صيام وطعام، بل ساعات مليئة بالحب، بالضحك، بالذكريات، وبالإصرار على أن يظل البيت مليئًا بالحياة حتى بعد رحيل من نحب.

معه دائمًا

كل عام حين يقترب شهر رمضان، يعرف أنه سيقضي الساعتين السابقتين على مدفع الإفطار في المطبخ مع زوجته، متابعًا كل حركة تقوم بها، سعيدًا فقط بوجوده معها. هذا التقليد بدأ منذ أول رمضان بعد زواجهما، حين طلبت منه ألا يتدخل في شيء وأن يراقب فقط، فوجوده يجعلها سعيدة.

لم يكن يعرف شيئًا عن الطهو، فكانت مهمته فقط إعداد السلاطة، أمر بسيط لم يتغير. مع مرور السنوات، بدأ يساهم تدريجيًا: يقشر البطاطس، يتبل اللحوم قبل شيها، يسلق الدجاجة، يقلي السمك، يغسل الأرز، ويجهز العصائر مثل قمر الدين والحروب. كانت تعمل هي وأصابعها سريعة ومرتبة، وهو يراقب بإعجاب، وتعلّمه سر مهارتها: «نظام»، قالت ضاحكة، «يعني تعمل كل شيء معًا وليس واحدًا بعد الآخر».

اللحظات معًا في المطبخ كانت أجمل ساعات رمضان، فالوقت يمر بسرعة حين يكون هو معها، يضحكان، يتبادلان الحديث، وتعلم منها الصبر والتنظيم في الأعمال المنزلية. أحيانًا كانت تطلب منه الابتعاد قليلاً فيقول مبتسمًا:

ـ ملوخية النهاردة؟

ـ آه، نفسي تعمليها قدامي.

ضحكت وقالت: لا تبوظ، ثم تعود للعمل وهو يراقب من بعيد، ليعود لحظات بعد ذلك لمساعدتها.

مرت السنوات، وواجهت الأسرة محنة كبيرة حين أُصيبت زوجته بالسرطان، الذي ظهر فجأة بعد تفشي المرض.. ولديه الآن ولدان: الأكبر عشرون عامًا، والأصغر ثمانية عشر.

صار عليه أن يراقب كل شيء بنفسه، من طهو الطعام إلى تربية الولدين، حتى يحميهما من أخطار الشارع والمدرسة والجامعة، وينقلهما ذكريات والدتهما من خلال أفعاله.

عاد رمضان، واشتري ما كانت تشتريه زوجته من أطعمة وياميش وبلح، ليحافظ على أجواء الشهر المبهجة. دعا الولدين للمشاركة في التحضير قبل الموعد بساعتين، وتحدثوا معًا، ضحكوا، وأكملوا الأعمال المنزلية كما اعتادوا، من غسل الأرز وإعداد العصائر وحتى ترتيب السفرة.

وعندما اقترب مدفع الإفطار، قام بتوزيع الطعام والأكواب والسلطانيات، توضأ الولدان استعدادًا للصلاة، ثم صلى الجميع معًا، وعادوا إلى السفرة. لاحظ الابن الأصغر أن الأطباق والكؤوس كانت أكثر من اللازم، فضحك، وقال الأكبر: «حتى العصير والشوربة والملعقات كلها أربعات». ابتسم الأب، متحكمًا في دموعه، ثم قال بصوت متهدج:

ـ ماما حتاكل معانا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء