رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم أكن يومًا رجلًا بسيطًا في عاطفتي، ولا ساذجًا في اختياراتي، كنت أزن الأمور بعقلي قبل قلبي، وأضع مسافة آمنة بيني وبين أي شعور قد يربكني. 

عشت سنوات أتعامل مع الحب كما يُتعامل مع رفاهية جميلة، إن جاءت رحّبت بها، وإن غابت لم أفتقدها كثيرًا، كنت أظن أن السيطرة فضيلة، وأن الاحتفاظ بجزء مني بعيدًا عن أي امرأة هو نوع من الحكمة، حتى جاءت هي.. فانهار ذلك الاتزان المصطنع، لا بضربة واحدة، بل بتآكل بطيء ومدهش، حتى وجدتني أقف أمامها خفيفًا من كل حذر، ممتلئًا بكل ما كنت أخشاه.

هي لم تكن امرأة تُغريك بالصخب، بل تسكنك بالهدوء، حضورها لا يفرض نفسه، لكنه يرسخ، كانت إذا دخلت مكانًا لا تتعمد أن يلتفت الجميع إليها، ومع ذلك تلتفت أنا، في جلستها شيء من الثقة غير المستفزة، في نبرتها دفء لا يحتاج إلى ارتفاع، في ضحكتها حياة كاملة لا تُفتعل، لم تكن تتكلف أنوثتها، لكنها كانت أنثى حتى في صمتها، في طريقة ترتيب شعرها خلف أذنها، في التفاتتها البطيئة حين تناديها، في تلك النظرة الطويلة التي لا تقول شيئًا محددًا لكنها تترك فيك أثرًا لا يُمحى.

كانت تجذبني بطريقتها الخاصة، لا تقترب كثيرًا فتربكني، ولا تبتعد كثيرًا فأطمئن، كانت تخلق تلك المسافة الدقيقة التي تجعلني أتحرك خطوة نحوها كل مرة. 

إذا تحدثتُ، استمعت كأن حديثي أهم ما يُقال، لا تقاطعني لتثبت رأيًا، بل تُكمل لي الفكرة إن تعثرت، كأنها تحفظني عن ظهر قلب، وإذا صمتُّ، لا تسأل بإلحاح، بل تنتظر، تترك لي مساحة أعود فيها إليها بإرادتي، تلك المساحة كانت أذكى ما فعلته بي، جعلتني أختارها دون أن أشعر أنني أُدفَع إليها.

كانت تعرف كيف تُشعر الرجل بأنه مُراد دون أن تُذله بالرغبة، نظرة منها تكفي لتقول: “أراك” ابتسامة صغيرة تُمنح لي وحدي وسط جمع من الناس، كأنها علامة سرية بيننا، كانت تُمسك يدي بطريقة لا تشبه أحدًا؛ لا تشد بقوة كأنها تخشى أن أفلت، ولا تضعها بخفة كأنها غير معنية، كانت تمسكها بثقة..  ثقة امرأة تعرف أنني لن أهرب.

ومع الأيام، بدأت ألاحظ التحوّل في داخلي. لم أعد الرجل الذي يبحث عن الإعجاب العابر أو الكلمات الكبيرة. صرت أبحث عن رضاها الصامت، عن تلك النظرة التي تلمع حين أفعل شيئًا يُسعدها، أصبحتُ أراجع نفسي قبل أن أتكلم، وأختار كلماتي لأنني أعرف أن قلبها رقيق، وأن رقتها مسؤولية لا امتياز، كانت تجعلني أهدأ، أعمق، أكثر إنصاتًا، لم تطلب مني أن أتغير، لكنها خلقت داخلي رغبة صادقة أن أكون أفضل من أجلها.

وحين كانت تغضب، لم تكن تُحطم، بل تُوجِع، كانت تقول بهدوء: “أنا زعلت منك”، وكأنها تمنحني فرصة للنجاة، لم تكن تُكثر اللوم، لكنها كانت تجعلني أرى خطئي بعينيّ، حزنها كان أقسى من أي صراخ، لأنه كان صادقًا، كنت أكتشف أنني لا أحتمل فكرة أن ينكسر شيء بداخلها بسببي، فأتعلم.. وأكبر.

كانت تدللني دون أن تُضعفني، تسألني إن أكلت، تذكرني بموعد مهم، تكتب لي في منتصف يوم مزدحم: “خليك فاكر إني جنبك.” تلك الجملة كانت كفيلة أن تغيّر يومًا كاملًا، كنت أشعر أن هناك قلبًا يفكر بي في صمت، يدعو لي دون أن يعلن، ويطمئن عليّ دون أن يُقيدني، معها فهمت أن الحب ليس ضجيجًا، بل طمأنينة ممتدة.

أخذتني من العالم لأنها جعلت العالم يفقد قدرته على إبهاري بدونها، لم أعد أرى الأماكن كما كنت، ولا الوجوه كما كانت، كل شيء صار يُقاس بها، ضحكة تُذكّرني بضحكتها فلا تعجبني، عطر يشبه عطرها فلا يكفي، حديث طويل لا يحمل دفئها فيبدو فارغًا، صارت هي المعيار.. والبقية تفاصيل.

وللمرة الأولى، لم أخف من فكرة أن أكون “مِلكًا” لامرأة، لم أشعر أنني أفقد حريتي، بل شعرت أنني أجدها، لأنني كنت أختارها كل يوم، لا خوفًا من فقدانها، بل يقينًا بأنني أريدها، كنت أقول في داخلي: إن كان الانتماء يعني أن أضع قلبي في يدها، فأنا أريده كذلك، إن كان يعني أن أختصر العالم في ابتسامتها، فأنا راضٍ.

هي لم تسلبني نفسي.. بل أعادتني إليها، جعلتني أرى جانبًا مني لم أكن أعرفه، الرجل الذي يحب بصدق، الذي يلين دون أن ينكسر، الذي يختار امرأة واحدة لأن قلبه استقر، معها لم أعد أبحث عن طرق كثيرة أمشيها، بل عن طريق واحد يقودني إليها.

كيف علّمتني الحب؟

علّمتني أن الحب ليس كلمة تُقال في لحظة شوق، ولا وعدًا يُكتب تحت تأثير العاطفة، ولا حتى اعترافًا طويلًا يُزيَّن بالكلمات، الحب عندها لم يكن لغة تُتلى، بل حياة تُعاش.

علّمتني أن الحب هو أن تكون حاضرًا بكامل وعيك، لا نصف حاضر ونصف مشتت، أن تسمعها لا بأذنيك فقط، بل بقلبك أيضًا، أن تنتبه لتفاصيلها الصغيرة التي لا يلاحظها أحد، لتغير نبرة صوتها حين تتعب، لبطء خطواتها حين تنشغل بشيء يؤلمها، لصمتها الذي لا يكون صمتًا بل رسالة تنتظر أن تُفهم.

علّمتني أن الحب مسؤولية لا تُخيف، بل تُشرف، أن يكون هناك قلب وثق بك، ليس أمرًا عابرًا، أن تختارك امرأة بكل هذا الصفاء، بكل هذا الصدق، وتضع يدها في يدك دون تردد، يعني أنك صرت مؤتمنًا على عالم كامل يسكن صدرها. علّمتني أن الرجولة ليست في السيطرة، بل في الاحتواء. ليست في الصوت العالي، بل في الطمأنينة التي تمنحها لمن تحب.

علّمتني أن أكون بطيئًا حين يجب أن أتمهّل، وصبورًا حين يجب أن أحتمل، وحكيمًا حين تتداخل المشاعر، أن أراجع كلمتي قبل أن أقولها، لأن كلمة واحدة قد تُربك قلبًا رقيقًا، أن أعتذر دون كبرياء، وأن أقترب حين أشعر أنها تحتاجني حتى لو لم تطلب، علّمتني أن أكون سندًا لا عبئًا، وملجأً لا معركة.

علّمتني أن الحب ليس احتفالًا كبيرًا يحدث مرة، بل تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، رسالة اطمئنان في منتصف انشغال، يد تُمسك يدًا بلا سبب، نظرة تقول “أنا معك” حتى في الصمت، جعلتني أفهم أن أعظم أشكال العشق هو أن يشعر الطرف الآخر بالأمان.. أمان لا يُقال، بل يُحس.

أما كيف أخذتني من العالم؟

فهي لم تأخذني منه بالعزلة، ولم تطلب أن أتركه، لكنها جعلتني أراه بعين مختلفة، كل ما كنت أظنه كبيرًا، صار صغيرًا أمام شعوري بها، وكل ما كنت أظنه مهمًا، فقد بريقه إن لم تشاركني إياه، لم أعد أبحث عن الضجيج، ولا عن إثبات نفسي في عيون كثيرة، يكفيني أن أكون واضحًا في عينيها.

صارت هي عالمي، لا لأن العالم اختفى، بل لأن معناي فيه تغيّر، صرت أستيقظ وأفكر فيها، أتحرك وأحسب حسابها، أفرح وأتمنى أن تشاركني الفرح، حتى تعبي صار أخف حين أعرف أنها قريبة، حضورها لم يكن مجرد وجود، بل إعادة تعريف كاملة لفكرة “الوطن”، دعوني أنقل لكم مشاعري بأن الوطن لم يعد مكانًا بل شخصًا.

صرت أشعر أنني إن ابتعدت عنها، أبتعد عن نفسي، وإن اقتربت، أعود كما يجب أن أكون، كأنها مرآة صادقة تُظهر أجمل ما فيّ، وتغفر أسوأ ما فيّ، وتدفعني لأكون أفضل دون أن تطلب.

وحين تقرأ هي هذه الكلمات، أريدها أن تعرف أن الرجل الذي كنتُه قبلها، كان يعيش بنصف قلب، كان قويًا، نعم.. لكنه لم يكن عميقًا، كان واثقًا، نعم.. لكنه لم يكن مطمئنًا، كان يعرف كيف يمضي في الحياة؟، لكنه لم يكن يعرف لماذا يمضي؟.

وأما الرجل الذي أصبحته بعدها، فهو رجل اختار، اختار أن ينتمي، اختار أن يُحب بصدق كامل، دون حسابات، اختار أن يكون لها، لا لأنه مضطر، بل لأنه وجد راحته في هذا الاختيار.

أريدها أن تشعر أن وجودها لم يكن إضافة عابرة في حياتي، بل نقطة تحوّل، أنني لم أعد أرى مستقبلي صورة ضبابية، بل طريقًا واضحًا تسير فيه هي بجانبي.
أريدها أن تعرف أنني حين أقول “أريد أن أبقى لك”، لا أقولها بدافع العاطفة اللحظية، بل بيقين رجل وجد استقراره.

لم أعد أريد من الدنيا كثيرًا، لا أبحث عن تصفيق، ولا عن انتصارات صاخبة، كل ما أريده.. أن أبقى قريبًا من قلبها، أن أكون الرجل الذي تلجأ إليه حين تتعب، وتفتخر به حين ينجح، وتطمئن وهي تمسك يده.

وإن كان للحياة أمنية أخيرة أتمناها، فهي بسيطة جدًا، أن أظل أستيقظ كل يوم وأنا أعلم أنني اخترتها، وأنها اختارتني،
وأن هذا الاختيار سيظل يتجدد.. إلى الأبد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء