رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ "باستيت": هندسة الاحتواء داخل الناتو

أرشيفية
أرشيفية

خلال العقدين الأخيرين، تحول القطب الشمالي من هامش جغرافي إلى منطقة نفوذ مركزية، تسعى القوى الكبرى من خلاله إلى تشكيل توازنات ردع جديدة. أتى هذا التحول مدفوعًا بعاملين رئيسيين: التغير المناخي، الذي أتاح اكتشاف مسارات بحرية جديدة، والتقديرات المتزايدة لحجم الثروات الطبيعية الكامنة تحت جليده.

 

في عام 2008، أصدرت هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية دراسة هزت الأوساط العلمية حينها، إذ توصلت إلى أن القطب الشمالي يحتوي على ثروات ضخمة من الطاقة والمعادن النادرة. فالنفط هناك يشكل 13% من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة، ويمثل الغاز 30% منها. أما المعادن النادرة، التي باتت تشكل عصب الصناعات المتقدمة اليوم، فتمتلك جزيرة جرينلاند وحدها 39 من أصل 50 معدنًا نادرًا (1).

 

في ضوء هذه المعطيات، عززت القوى الكبرى من وجودها في القطب الشمالي، بداية من روسيا التي تولي اهتمامًا به أكثر من غيرها، وكذلك الصين التي تصنف نفسها على أنها دولة قريبة من القطب الشمالي، ما يدفعها إلى تقديم قروض وتمويل مشروعات خاصة بالبنية التحتية في القطب الشمالي.

 

في هذا السياق، أعلن حلف الناتو في 11 فبراير عن مهمته الجديدة في القطب الشمالي، حيث أعاد إدراج المجال القطبي ضمن دوائر اهتمامه الاستراتيجية، باعتباره امتدادًا مباشرًا للأمن الأوروبي والأطلسي. غير أن إطلاق تلك المهمة تزامن مع جدل سياسي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند، وهو ما ألقى بظلاله على تماسك الحلف، وأعاد طرح تساؤلات حول طبيعة الالتزام الأمريكي بمبادئ الأمن الجماعي.

 

من هنا تبرز أهمية تحليل ما إذا كانت مهمة الناتو الجديدة تمثل مجرد استجابة عسكرية لتطورات استراتيجية، أم أنها تحمل أيضًا أبعادًا سياسية تتصل بإدارة التوترات داخل منظومة الناتو والحفاظ على تماسكها.

 

مهام وأهداف الناتو الاستراتيجية في "أركتيك سنتري"

 

يمكن القول إن المهمة تندرج ضمن التحول الذي أقره الحلف في وثائقه الاستراتيجية الأخيرة بعد الحرب في أوكرانيا، حيث أعاد الناتو تعريف بيئة التهديدات، مؤكدًا على أهمية حماية الأجنحة الشمالية والشرقية لأوروبا. كما لا تقتصر المهمة على البعد العملياتي، بل تعكس أيضًا رغبة الحلف في تعزيز التنسيق بين أعضائه في الشمال، مثل النرويج والدنمارك.

 

وتمثل مهمة "أركتيك سنتري" نقلة نوعية في مهام الناتو داخل القطب الشمالي، فوفقًا لتصريح مارك روتة، الأمين العام للحلف، فإن "هذه المهمة تجمع مهام الحلف لأول مرة تحت راية واحدة" (2). تأتي هذه المهمة متضمنة أهدافًا رئيسية، من بينها بناء إطار تنسيقي شامل يجمع الأنشطة الوطنية المتفرقة للدول الأعضاء ضمن منظومة عملياتية موحدة متعددة المجالات، بما يعزز القدرة على الوعي الظرفي المشترك والاستجابة السريعة للتهديدات المحتملة، دون الانزلاق إلى عسكرة مفرطة قد تقوض الاستقرار العالمي.

 

كذلك تسعى المهمة إلى ترسيخ مفهوم الردع المرن عبر تحسين التكامل بين القوات الجوية والبحرية والبرية والسيبرانية والفضائية، وهو ما يعكس انتقال الحلف من نماذج الانتشار التقليدي إلى أنماط انتشار ديناميكية تعتمد على الجاهزية العالية والتشغيل البيني، بدلاً من التمركز الدائم للقوات.

 

في هذا السياق، تبرز حماية خطوط الاتصال البحرية والممرات الاستراتيجية بوصفها هدفًا محوريًا، نظرًا لأهميتها في ربط المسرح الأوروبي-الأطلسي بالعمق القطبي، ومنع أي محاولة لفرض أمر واقع عسكري يمكن أن يهدد حرية الملاحة أو أمن الإمدادات (3).

 

كما أن هذه المبادرة تعكس توجهًا لتعميق التعاون بين الدول الأعضاء المطلة على القطب الشمالي وبقية الحلفاء، من خلال توحيد التخطيط الدفاعي، وتكثيف التدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يحافظ على توازن دقيق بين إظهار القوة الرادعة وتجنب التصعيد المباشر مع القوى المنافسة، لا سيما روسيا التي عززت حضورها العسكري في المنطقة خلال العقد الأخير، إضافة إلى اهتمام الصين المتنامي بالقطب الشمالي.

 

الطموحات الأمريكية في القطب الشمالي

 

مع مطلع عام 2026، لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برغبته في ضم جزيرة جرينلاند، نظرًا لما تتمتع به من موقع جيوستراتيجي مميز، كونها تقع في المدخل الشمالي لأوروبا وأمريكا الشمالية، وتتيح مراقبة النشاط العسكري الروسي والصيني في القطب الشمالي. فمن الجانب العسكري، من شأن الاستحواذ على هذا الموقع أن يمنح الولايات المتحدة أفضلية عملياتية تسمح بمراقبة النشاطات التي تقوم بها كل من روسيا والصين. كذلك صرح ترامب بأن ضم الجزيرة سيكون أقل تكلفة من بناء قواعد ومحطات عسكرية في أماكن أخرى، فضلاً عن الموارد الاقتصادية التي تتمتع بها الجزيرة.

 

بعيدًا عن التصريحات العلنية، فإن هذا الضم سيسمح للولايات المتحدة بالمضي قدمًا نحو تحقيق رغبتها في الاستحواذ على أسواق المعادن النادرة، وخصوصًا الليثيوم والنيوديميوم المستخدم في صواريخ "توماهوك" والطائرات المقاتلة، ما يعطيها الفرصة لكسر الهيمنة الصينية المطلقة على سلاسل توريد هذه المعادن، فضلاً عن القضاء على طموح بكين في بناء مشروعها "طريق الحرير القطبي" الذي كانت قد أعلنت عنه عام 2018 كجزء مكمل للمبادرة الأصلية التي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينج قبلها بخمس سنوات، وكذلك خنق روسيا دون الحاجة إلى الدخول في صراع مباشر عن طريق حصارها جغرافيًا من ناحية الشمال.

 

أدت طموحات الرئيس الأمريكي بشأن جزيرة جرينلاند إلى قلق كبير بين الدول الأوروبية، وخاصة الدنمارك التي تمتلك السيادة القانونية على الجزيرة. لكن هذه التصريحات طرحت سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعطي المصلحة الوطنية أولوية على حساب مبادئ الأمن الجماعي التي يقوم عليها الحلف.

 

هندسة الاحتواء: كيف تعاطى الناتو مع أهداف ترامب في القطب الشمالي؟

 

وجد المحللون أن مهمة "أركتيك سنتري" جاءت من أجل إيصال رسالة مزدوجة: أولاً، إظهار وحدة الصف في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتزايد في القطب الشمالي؛ وثانيًا، هي رسالة طمأنة للداخل بأن إدارة الأمن داخل القطب الشمالي تجري ضمن إطار جماعي، لا عن طريق سياسات أحادية يصيغها أحد الأطراف داخل الحلف. لكنها في الوقت ذاته قامت باحتواء المطالب الأمريكية في جرينلاند.

 

تمنح المبادرة واشنطن الفرصة لممارسة نفوذها على جرينلاند، دون أن يؤدي هذا النفوذ إلى تآكل الحلف. فجمع أنشطة الدول الأعضاء في القطب الشمالي تحت قيادة الناتو الموحدة، ومقرها نورفولك بفرجينيا، من شأنه أن يمنح واشنطن التأثير المطلوب، دون الحاجة إلى الدخول في صدام مع أوروبا.

 

أيضًا، استجاب الناتو لمخاوف ترامب بشأن نفوذ روسيا والصين في الشمال، فالمهمة صُممت لتعزيز مراقبة كابلات الإنترنت تحت البحر ورصد الغواصات، وهي ملفات كانت تبرر لترامب رغبته في الاستحواذ على الجزيرة.

 

كذلك، إشراك دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا في تمويل عمل الحلف في القطب الشمالي، ما يلبي مطلب ترامب في تقاسم الأعباء عبر الحلف الذي لطالما نادى به.

 

علاوة على ذلك، وفرت المهمة لترامب مخرجًا من المعضلة التي أثارها بشأن جرينلاند، بطريقة ترضي غروره وتخرجه من هذا المأزق في صورة المنتصر، حيث أنه بعد اجتماعه في دافوس مع الأمين العام للناتو مارك روتة في 20 يناير الماضي، صرح ترامب بأن الناتو سيتولى حماية القطب الشمالي بجدية أكبر (4).

 

ختامًا

 

يتضح أن مهمة "أركتيك سنتري" لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تحرك عسكري تقني، بل هي تعبير مكثف عن تحولات أعمق في بنية التنافس الدولي، وفي طبيعة العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي. فالقطب الشمالي لم يعد هامشًا جليديًا بعيدًا عن حسابات القوة، بل أصبح ساحة لإعادة صياغة معادلات الردع، واختبارًا لقدرة التحالفات الغربية على التكيف مع بيئة استراتيجية متغيرة بفعل المناخ والموارد والتنافس الجيوسياسي.

 

في هذا السياق، جاءت تصريحات دونالد ترامب بشأن جرينلاند لتكشف هشاشة التوازن بين المصلحة الوطنية الأمريكية ومنطق الأمن الجماعي الذي يقوم عليه الحلف. غير أن طريقة تعاطي الناتو مع هذه التصريحات، عبر إطلاق مهمة جماعية تعيد تأطير الأمن القطبي ضمن مظلة مؤسسية مشتركة، عكست ما يمكن تسميته بـ"هندسة الاحتواء"، أي استيعاب الطموحات الأمريكية داخل بنية تحالفية أوسع تمنع تحولها إلى مصدر انقسام داخلي.

 

نجح الحلف، على الأقل مرحليًا، في تحويل لحظة توتر سياسي إلى فرصة لإعادة تثبيت حضوره الاستراتيجي في الشمال، مع الحفاظ على السيادة القانونية للدنمارك، وتأكيد مبدأ تقاسم الأعباء بين الأعضاء.

 

مع ذلك، يظل مستقبل هذه المعادلة مرهونًا بمدى استمرار التزام واشنطن بالعمل متعدد الأطراف، وبقدرة أوروبا على موازنة حاجتها إلى المظلة الأمنية الأمريكية مع رغبتها في قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

 

وعليه، فإن "أركتيك سنتري" تمثل اختبارًا مزدوجًا: فمن ناحية، تعد اختبارًا لصلابة الردع في مواجهة روسيا والصين، ومن ناحية أخرى، تمثل اختبارًا أعمق لتماسك الناتو ذاته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء