قاموس الأفراح الشعبية.. أول زفة في الفرح لـ«شوار العروسة»
الأفراح في مصر عالم متكامل، له قوانينه وعاداته التي تحكمه وتُدار شؤونه بشكل تلقائي، يحرص الأهل، خاصة الأمهات والحموات، على تنفيذ بنوده حرفيا، لا التزاما بقانون مكتوب، بل خضوعا لمنظومة من العادات والتقاليد تتفوق في سطوتها على قوة القانون، يضاف إليها حب التباهي والخوف من كلام الناس.
وأول زفة للعروس لم تكن ليلة الدخلة، ولا تلك التي تلي ليلة الفرح بحضور المعازيم، بل الزفة الأولى تكون لجهاز العروس، أو ما يُسمى " شوار العروسة".
"شوار العروسة " (أو الجهاز) هو الملحمة الاقتصادية والاجتماعية التي تسبق الزفاف، وهو المصطلح الشعبي القديم لكل ما تقتنيه العروس من مستلزمات منزلها ، وكلمة " شوار " مشتقة لغويا من " تشوير " الشيء، أي إظهاره وإعداده ، وفي التراث المصري هو "عرض القوة " الذي تقدمه عائلة العروس للمجتمع ويتضمن ذلك " يوم العفش" .
الاستعراض الشعبي
حتى لا يمر الشوار في صمت، يجب أن يراه الجميع ، قديما - ولا يزال الأمر قائما في القرى والأحياء الشعبية - يُنقل الشوار في سيارات نقل مكشوفة مزينة بالورود والزينة، تتبعها زفة المنقولات بالمزمار البلدي والطبول ، وتوضع " الغسالة والبوتاجاز " في المقدمة، تأكيدا على أن العروس جهزت بأحدث الأجهزة ، كما تُفرد المفروشات قبل الفرح بأيام، فيما يُعرف بـ " فرش الشقة " حيث تجتمع قريبات العروس لاستعراض كل قطعة قماش أو ملابس أمام الحاضرين.
"قائمة المنقولات صك الأمان
القائمة هي الوثيقة القانونية التي تحفظ حق العروسة في الجهاز " الشوار " وهي عادة مصرية بامتياز، بدأت تاريخيا لضمان حقوق الزوجة منذ العصر الفاطمي والمملوكي ، وتعني أن ما أتت به العروس هو " ملك خاص " لها، كما تحمل رسالة اجتماعية مفادها أن الزوجة شريكة في تأسيس البيت وليست مجرد ضيفة فيه.
وتختلف ظروف كتابة قائمة المنقولات من مستوى اجتماعي إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، وغالبا ما تكون سببا في خلافات بين أسرتي العروسين ، وهناك زيجات كثيرة فشلت بسبب الخلاف على القائمة ، وفي بعض الأحيان لا يكون سبب المبالغة في بنودها هو توفير الأمان للزوجة بقدر ما يكون حبا للتباهي والمقارنة بأقارب العروسين أو أخواتها.
صينية العشاء.. وما أدراك ما بها!
تبدو " صينية العشاء " أو عشاء العروسين في التراث المصري كأنها أول مأدبة ملكية يؤسس بها الأهل حياة ابنتهم الجديدة ، فهي ليست مجرد طعام، بل رسالة " وجاهة " من أهل العروس، واطمئنان على " شبع " العروسين في ليلتهما الأولى.
تعتمد الصينية على مبدأ " البركة والوفرة " فيجب أن تحتوي على عدة أصناف، في مقدمتها - بالقطع - زوج من الحمام المحشي، فهو " ملك الصينية" بلا منازع ، فالحمام في التراث يرمز إلى الحب والوداعة، وفي المعتقد الشعبي يُعد مقوّيا طبيعيا للعريس ومنشطا للطاقة.
ثم يأتي البط (أو الديك الرومي)، حيث يرمز وجود البطة المحشية بالمرتك أو الفريك إلى " العز " فالبط طائر دسم وغالي الثمن، وتقديمه يعني أن العروس "بنت أصل " ومن بيت كريم.
ولا تخلو صينية العشاء من الرقاق باللحمة المفرومة ، إذ يجمع الرقاق بين الخبز واللحم، وهو رمز للتماسك الأسري.
ويتميز أهل الريف بإعداد الأرز المعمر (أو الأرز بالخلطة)، فاللون الأبيض للأرز يرمز إلى " النية البيضاء " والرزق الواسع.
ثم يأتي دور الفطير المشلتت، وغالبا ما يُرسل مع " العسل والقشطة" ليكون فطور الصباحية، ويرمز إلى " اللين " في الحياة الزوجية.
ولا تكتمل الصينية دون " التحلية " التي تحمل أمنيات بحياة خالية من المرارة، وتتكون من الأرز باللبن أو المهلبية، ضمانا لأن تكون الأيام القادمة " بيضاء كالقشطة " كما تُرسل الفواكه الموسمية، لا في أكياس بالكيلو، بل بالقفص أو الحمل، في مشهد يعكس الوفرة والكرم.
وترسل الصينية عادة من بيت أهل العروس إلى بيت الزوجية، وهي حركة بروتوكولية تقول لأهل العريس" ابنتنا عزيزة عندنا، ونحن قادرون على إكرامها وإكرامكم ".
"حق الشاي" أو "حق العشاء"
هذا المصطلح من ألطف العادات التي تبرز ذكاء العرف الشعبي ، وهو مبلغ مادي يعطيه العريس أو أهل العريس لمن قاموا بخدمة العروسين ليلة الفرح، خاصة الصديقات أو القريبات اللاتي سهرن على تجهيز العروس أو ترتيب الصينية.
وفي بعض الأقاليم يُطلق حق الشاي " على مبلغ يدفعه العريس لوالدة العروس أو أخواتها عند ذهابهن لزيارتها في الصباحية، كنوع من الرد الرمزي على تعبهن في تربيتها وتجهيزها. هو اعتراف بالجميل، وليس ثمنًا لشيء.
وقد يسمع البعض الى مصطلح " الصلح " الذي يقوم به العريس في الصباحية لوالد عروسته ، حيث يضطر العريس الى الذهاب لواد زوجته بعد اتمام الدخلة ليقدم له اعتذار غير مكتوب عمى فعله مع ابنته ليلة الدخله ، وقبل هذه الزيارة لا يقوم والد العروسة بزيارة بيت ابنته الا بعد مصالحته واسترضاءه
كما يقدم العريس لعروسه هدية مادية تُسمى " النقطة " أو " الرضوة " وغالبا ما تكون قطعة ذهب (خاتم أو غويشة) أو مبلغا ماليا كبيرا ، وهي رسالة طمأنة للعروس بأنها أصبحت شريكة في ماله وبيته، وحركة تعزز أواصر المحبة والتقدير أمام أهلها.
ولا تنسى أم العروس " التحويطة " فتضع " قرص ملح " أو " خمسة وخميسة " في ملابس ابنتها صباحا قبل خروجها لمقابلة الناس، خوفا عليها من نظرة الحسد بعد أن أصبحت زوجة.