أكاديميات التطرف.. معضلة السجون الغربية في مواجهة الاختراق الجهادي
كشفت تقارير أمنية أوروبية حديثة، أبرزها تقرير المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب في بريطانيا "جوناثان هول"، عن إخفاقات متزايدة في احتواء الفكر المتشدد داخل المؤسسات العقابية، محذرة من تحول السجون إلى بؤر استقطاب تتجاوز مهمتها الإصلاحية، إذ نجحت الجماعات المتطرفة في فرض نفوذ ميداني داخل العنابر، مستغلة ثغرات رقابية وتراجع دور مصلحة السجون في مواجهة المخططات الإرهابية، مما سمح لعناصر من تنظيمي "داعش والقاعدة" بالتغلغل بين سجناء الجرائم العامة وتجنيدهم ضمن شبكات تكفيرية عابرة للحدود.
وفي ظل صعود تيارات اليمين المتطرف في القارة، يواجه صانع القرار الأوروبي ضغوطاً متزايدة لتشديد السياسات الجنائية، حيث تُستغل أزمة السجون كدليل على فشل سياسات التعددية والدمج، هذا المناخ السياسي المشحون دفع دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى تبني استراتيجيات عزل مكاني عبر سجون داخل السجون وتكثيف المراقبة اللصيقة.
وتتبنى بعض الدوائر الأمنية الغربية حالياً مقاربة واقعية تركز على تحقيق هدف "اللاعنف" بدلاً من تغيير الأفكار المتجذرة، نظراً لصعوبة إصلاح القناعات الأيديولوجية داخل البيئة السجنية.

وبينما تسعى فرنسا لتعزيز الإسلام الوسطي عبر مرشدين دينيين، لكن تظل الفجوة قائمة بين التكلفة الباهظة لإعادة التأهيل المتكامل وبين التهديدات الأمنية الوشيكة، مما يضع المجتمعات الأوروبية أمام تحدٍّ وجودي يتمثل في كيفية الموازنة بين الحفاظ على الأمن القومي واحترام معايير حقوق الإنسان في بيئة سجنية تزداد استقطاباً.
استراتيجيات التجنيد خلف القضبان
بات السجناء الجنائيون صيداً سهلاً لعناصر تنظيمي "داعش والقاعدة" في السجون، حيث تعتمد هذه الجماعات على استراتيجية ناعمة تبدأ بإدماج السجين الجديد في شبكات اجتماعية توفر له الحماية، قبل البدء في عملية غسيل الأدمغة عبر حلقات دينية موجهة تستغل تدني مستواه التعليمي.
وتشير البيانات إلى وجود زيادة تدريجية في عدد المجرمين المتطرفين، وهم فئة من السجناء دخلوا السجن بجرائم عامة لكنهم تشربوا الفكر التكفيري أثناء فترة عقوبتهم، وتعد هذه الفئة هي الأكثر خطورة، إذ تتبنى العنف المسلح كبديل عن نشاطها الجنائي السابق، مما يجعلها قنابل موقوتة جاهزة للانفجار فور نيل حريتها ومغادرة أسوار السجن.
ويعود نجاح المتطرفين في تحويل السجون إلى أكاديميات فكرية إلى قدرة العناصر الإرهابية على التغلغل بين السجناء العاديين دون عوائق كافية. وبمجرد خروج هؤلاء العناصر إلى المجتمع، تنتقل الأفكار المتطرفة من حيز التنظير داخل الزنزانة إلى حيز التطبيق الفعلي، مما يشكل تهديداً مباشراً ومستمراً لأمن المواطنين في أرجاء القارة الأوروبية.
بين الحلول الأمنية ومعضلة الإصلاح
تتفاوت الاستجابات الأوروبية لمواجهة التطرف في السجون بين إجراءات العزل الصارمة والمحاولات الإرشادية؛ حيث أنشأت بريطانيا "مراكز فصل" لعزل المتطرفين الأكثر نفوذاً، بينما لجأت فرنسا لتعيين مرشدين دينيين لترسيخ الإسلام الوسطي. وفي المقابل، تكتفي ألمانيا بمراقبة السجناء المسلمين عن كثب، وسط شكوك حول جدوى هذه السياسات في اكتشاف المتطرفين الصامتين.
وبرز في الآونة الأخيرة اتجاه غربي جديد يتبنى مقاربة "اللاعنف" كهدف أساسي بدلاً من محاولة تغيير القناعات الفكرية، نظراً لصعوبة إصلاح الأيديولوجيات المتجذرة في بيئة غير مهيأة تعليمياً، وتركز هذه الفلسفة على إقناع السجناء بالتخلي عن السلاح كوسيلة للتعبير، مع القبول ببقاء أفكارهم المتشددة، كخيار واقعي قابل للتحقيق على المدى القريب.
وعلى الرغم من هذه الجهود، تظل معضلة التمويل والخبرة العائق الأكبر؛ إذ تتطلب مواجهة الفكر خبراء في علم النفس والشريعة، وهي تكلفة تصفها الحكومات بالباهظة. ومع ذلك، يؤكد المحللون أن فاتورة الاستثمار في الإصلاح الفكري داخل السجون اليوم، تظل أقل بكثير من الكلفة البشرية والمادية التي ستدفعها الدول جراء عمليات إرهابية محتملة ينفذها خريجو هذه السجون مستقبلاً.
الثغرة الرقمية والارتباط بالشبكات الخارجية
يحذر خبراء في الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب من تنامي ظاهرة الارتباط الرقمي للسجناء المتطرفين بالعالم الخارجي، مؤكدين أن الجدران الإسمنتية لم تعد كافية لعزل الفكر المتشدد.
وأشارت تقارير تقنية إلى نجاح بعض العناصر المتطرفة في الحصول على هواتف مهربة أو استغلال ثغرات في وسائل التواصل المتاحة للتواصل مع قيادات تنظيمية خارج السجون، مما يسمح بتلقي توجيهات مباشرة وتحويل الزنزانة إلى "مركز إدارة" عن بُعد.
وتتجاوز هذه الثغرة مجرد التواصل، لتصل إلى قدرة السجناء على الوصول إلى المحتوى التحريضي عبر الإنترنت المظلم "دارك ويب" ، مما يحافظ على وتيرة الشحن الأيديولوجي مستعرة طوال فترة العقوبة.
هذا الارتباط الرقمي يحبط محاولات "الإرشاد الديني" التي تقوم بها السلطات، حيث يظل السجين وفياً لمنظومته الفكرية عبر استهلاك مواد مرئية وإصدارات تنظيمية حديثة تصل إليه بطرق ملتوية، مما يجعل عملية العزل الفيزيائي منقوصة الأثر.
وفي ظل هذا التحدي، تجد إدارات السجون الأوروبية نفسها أمام معضلة الموازنة بين الحقوق الإنسانية للسجناء في التواصل مع ذويهم وبين الضرورات الأمنية الصارمة، أي استراتيجية لمكافحة التطرف داخل السجون لن يكتب لها النجاح ما لم تشمل "عزلاً رقمياً" فعالاً وتقنيات تشويش متطورة، تمنع تحول السجون إلى عقد اتصال نشطة في شبكة الإرهاب الدولي، وتضمن انقطاع الصلة تماماً بين المُنظرين في الداخل والمنفذين في الخارج.
خاتمة
في الختام، يظهر بوضوح أن السجون الغربية لم تعد مجرد مراكز لقضاء العقوبات، بل تحولت إلى ساحات مواجهة فكرية وأمنية مفتوحة تتطلب استراتيجيات تتجاوز العزل المادي التقليدي.
كذلك ،فإن الاستمرار في تغليب الحلول الأمنية المؤقتة على حساب المعالجات الفكرية والنفسية العميقة، يهدد بتحويل هذه المؤسسات إلى قنابل موقوتة تنتظر لحظة الإفراج لتنفجر في قلب المجتمعات، مما يفرض ضرورة حتمية لإعادة تقييم السياسات الجنائية بما يضمن تفكيك المنظومة الأيديولوجية للمتطرفين قبل خروجهم.
وعليه، فإن النجاح في كبح جماح التطرف داخل الأسوار يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الدول على الاستثمار في الكوادر البشرية المتخصصة، والموازنة بين مقتضيات الأمن القومي والواقعية السياسية التي تفرضها التحديات الراهنة.

