برنامجنا "مواجهة" - على البرنامج العام، أو الشبكة الرئيسية، أو حتى إذاعة مصر الأولى كما يسمونها، وكما هي الحقيقة - يصادف في حلقات عديدة أعيادًا ومناسباتٍ دينيةً ووطنيةً.. فيكون للعيد أو للمناسبة نصيبٌ من الحلقة.. وأحيانًا تكون موضوعَ الحلقة.. وذاتَ عيدٍ للإذاعة كانت المفاجأةُ الكبرى.. الإذاعيُّ الأكبرُ - مقامًا وسنًّا - فهمي عمر، مع حفظِ كلِّ الألقاب.. معنا على الهاتف.. مفاجأةٌ كبيرةٌ من "الكنترول"، فالكثيرون لا يصدقون أن معظم لقاءات "مواجهة" تتم بلا ترتيبٍ.. حوارٌ تلقائيٌّ تحدده أجندةُ الوطن وقضايا مصر وشعبِنا.. لكن ليس من التلقائية أن يكون فهمي عمر معنا على الهواء مباشرةً.
ظنناها مغامرةً، لا شك.. فالرجلُ وإن كان معتلَّ الصحة بحكم العمر، لكنه بكامل اللياقة الذهنية.. فائقُ الحضور البلاغي بطلاقته وفصاحته المعروفة.. وليس أمامنا وقتئذٍ - والميكروفون أمامنا وبابُ الاستوديو مغلقٌ من خلفنا - إلا الاستمرارُ في الحوار.. ثباتٌ وتماسكٌ على قدر الاستطاعة، ثم مبادلةُ التحية بمثلها أو أكثرَ منها.. ثم فتحُ موضوعاتٍ مع صاحب المكان ومؤسسه ورئيسه لفترةٍ طويلةٍ، وسؤاله ومناقشته واستغلالُ الفرصة، ربما لن تتكرر.. ولن تتكرر!
رحل الرجلُ اليوم تاركًا تاريخًا مجيدًا.. لم يكن فيه فقط الإذاعيُّ الكبيرُ الشاهدُ على أحداثٍ تاريخيةٍ كبرى شكَّلت منعطفاتٍ مهمةً في تاريخ المصريين.. ربما أشهرُها وأخلدُها بيانُ ثورة يوليو الأول.. نقول: لم يكن ذلك وحده، بل كان ظهرًا وظهيرًا وسندًا لكل أبناء قنا.. محافظته ومسقط رأسه.. قلما تجد - في النصف قرنِ الأخير - إعلاميًّا منها عبر إلى الأوساط الإعلامية دون أن يأخذ ابنُ قنا البارُّ فهمي عمر بيديه!
كثيرةٌ هي مآثرُ الراحل الكبير.. خاصةً التنوعَ الذي اختطه لنفسه.. حتى كان يقدم برنامجًا إذاعيًّا يعلِّق على مباريات الدوري العام، لا تعرف معه على أيهما تركز.. بيانه ولسانه وجمله وتعبيراته وشياكة ألفاظه أم على أحداث المباراة!!
رحم الله فهمي عمر.. ااظاهرةٌ التي لن تتكرر.. اسمًا ورسمًا!