أمس فقط، وبمرور الرابع والعشرين من فبراير 2026، يكون قد مضى أربعة أعوام كاملة على تلك اللحظة التي غيرت وجه التاريخ الحديث، حين عبرت المدرعات الروسية الحدود الأوكرانية فجر الخميس 24 فبراير 2022. ما بدا كـعملية عسكرية خاصة تحول إلى أطول صراع استنزافي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، معيداً صياغة مفاهيم الردع والتحالف والسيادة والأمن القومي والتحالفات الدولية، وأعاد الاعتبار الصارم لمنطق توازن القوى في مواجهة سرديات النظام الدولي الليبرالي المبني على قواعد القانون الدولي والأمم المتحدة.
ولا يمكن فهم مشهد اليوم دون العودة إلى أواخر عام 2013، حيث شكلت احتجاجات ميدان الاستقلال في كييف نقطة التحول الكبرى، وأطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش، وحينها رأت موسكو في تلك الأحداث انقلاباً مدعومًا غربياً يستهدف إخراج أوكرانيا نهائياً من مجالها الحيوي، مما دفع روسيا للتحرك السريع بضم شبه جزيرة القرم في مارس 2014، وتأمين ميناء سيفاستوبول الاستراتيجي، وتقديم دعم للانفصاليين في دونيتسك ولوهانسك، ما أشعل الصراع في شرق أوكرانيا.
وفي عهد بترو بوروشينكو، الرئيس الأوكراني الذي تولى السلطة في يونيو 2014 وحتى مايو 2019، بعد فترة انتقالية لم تتجاوز 115 يومًا تولها رئيس البرلمان الأوكراني حينها ألكساندر تورشينوف، جرت محاولة احتواء الصراع عبر اتفاقات مينسك 1 ومينسك 2، التي كرّست تجميدًا ساخنًا للنزاع دون حل جذري.
وفي مايو 2019، بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية، جاء فولوديمير زيلينسكي بخطاب شعبوي يفتقر للخبرة السياسية التقليدية، وبدلاً من استكمال مسار التهدئة، تبنت إدارته توجهًا تصعيديًا نحو الانضمام للناتو وحديث متصاعد عن ضرورة امتلاك السلاح النووي، ومدى الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه أوكرانيا بالتخلي عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات دولية لا تغني ولا تسمن من جوع، إضافة إلى التصعيد في شرق أوكرانيا وعدم احترام اتفاقات مينسك، وهو ما اعتبرته موسكو تجاوزًا للخطوط الحمراء بتمدد الحلف الأطلسي شرقًا قرب حدود روسيا الغربية.
انطلقت العملية العسكرية الروسية بأهداف معلنة ومحددة، وهي التي كانت قد أعلنتها في وثيقتي الضمانات الروسية مع الغرب ونشرت في ديسمبر 2021، أي قبل اندلاع الحرب بشهرين، تمثلت في فرض حياد أوكرانيا، ومنع تموضع عسكري أطلسي على حدودها، وضمان عدم وجود قواعد أجنبية على الأراضي الأوكرانية، وحماية الناطقين بالروسية في الدونباس، إضافة إلى القضاء على النازيين الجدد في أوكرانيا.
بعد أربع سنوات من الحرب، التي شهدت أحداثًا كبيرة وخسائر مادية وبشرية ضخمة لكل الأطراف، نجحت روسيا في فرض واقع جديد على الأرض بضم المقاطعات الأربع (لوهانسك، دونيتسك، زابوروجيا، وخيرسون)، وما زالت تتقدم على طول خطوط المواجهة في مقاطعات أخرى، وربطت القرم بريًا بالداخل الروسي، محولةً بحر أزوف إلى بحيرة روسية داخلية، مستفيدةً من تفوقها في حرب الاستنزاف والإنتاج العسكري الضخم، مقابل تعثر الهجمات الأوكرانية المضادة وفشل كييف في استعادة سيادتها على الأراضي المفقودة.
ورغم حزم العقوبات الغربية غير المسبوقة على روسيا، فشلت استراتيجية الخنق الاقتصادي في إحداث انهيار حاسم، حيث أعادت موسكو توجيه تجارتها نحو آسيا، ووسّعت شراكاتها مع قوى صاعدة، وبنت اقتصاد حرب مرتكزًا على الإنتاج العسكري الكثيف. في المقابل، واجهت كييف تحديات ديموغرافية واقتصادية هائلة، واعتمدت بصورة شبه كاملة على الدعم الغربي العسكري والمالي.
وخلال تلك الفترة الزمنية، شهد الموقف الدولي تحولًا دراماتيكيًا في العام الأخير، فبعد فترة من الدعم العسكري والمالي اللامحدود من إدارة بايدن، التي تبنت سياسة دعم مفتوح لكييف تحت شعار الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد، أدى صعود دونالد ترامب وتغير المزاج السياسي في واشنطن إلى تحول جذري، فعودة ترامب الاستثنائية إلى البيت الأبيض أعادت الاعتبار لمقاربة أكثر براغماتية تركز على تقليص الكلفة وإنهاء الحرب، وادعاء ترامب الدائم أن هذه الحرب ليست حربه. هذا التحول يعكس صعود المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تُقدَّم أولوية توازن القوى على الاعتبارات القيمية.
وشكل اللقاء التاريخي بين بوتين وترامب في ألاسكا في أغسطس 2025 نقطة الانطلاق لمفاوضات الأمر الواقع وبداية لفك العزلة الدولية عن روسيا، حيث انتقلت واشنطن من شعار دعم أوكرانيا مهما استغرق الأمر إلى ضرورة إنهاء الحرب فورًا. هذا التوجه شكل ضغطًا على كييف للقبول بتنازلات إقليمية مؤلمة مقابل ضمانات أمنية (خارج إطار الناتو)، وهو ما يعكس انتصار الواقعية السياسية على المثالية الليبرالية.
ومع فشل الغرب في إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا عبر العقوبات الاقتصادية، ونجاح موسكو في الصمود والتكيف مع هذه العقوبات التي كان لها ارتدادات سلبية داخل الدول الأوروبية، أو ما تسميها روسيا بالعقوبات الوجوبية، أصبح خيار التفاوض المباشر مع الكرملين ضرورة ملحة للأمن الأوروبي والأمريكي على حد سواء. بالنسبة لأوروبا، كشفت الحرب هشاشة الاستقلال الاستراتيجي، وأعادت إحياء دور الناتو، لكنها في الوقت ذاته عمّقت الانكشاف الطاقوي والعسكري، وأظهرت محدودية القدرة الأوروبية على إدارة صراع طويل دون المظلة الأمريكية.
وهنا يمكن الحديث عن سيناريوهات مستقبلية لهذه الحرب التي دخلت عامها الخامس:
نموذج التجميد طويل الأمد: شبيه بالحالتين الكورية أو القبرصية، حيث يتكرس خط تماس دائم دون تسوية سياسية نهائية، وهو أمر مستبعد في ظل رغبة روسيا ترسيخ ما تعمّ على الأرض بالاعتراف الأوكراني وضم كامل إقليم الدونباس، ما يستدعي مزيدًا من التصعيد أو انسحاب أوكراني من كامل المقاطعات التي ضمتها روسيا، وهو أمر لا يقدر عليه رئيس أوكراني.
اتفاق شامل بوساطة دولية: يقوم على اعتراف ضمني بالأمر الواقع مقابل ضمانات أمنية لأوكرانيا خارج إطار الناتو، وهو النموذج الأقرب للتحقق في ظل ضغط أمريكي على أوكرانيا وتململ غربي وضعف الجبهة الأوكرانية.
الانهاك والتبعية: استمرار الاستنزاف بما يؤدي إلى تقليص فعلي للسيادة الأوكرانية وتحولها إلى دولة حاجزة ضعيفة، هذا الأمر قد يستمر لفترة حتى يتم التوصل إلى اتفاق حسب السيناريو الثاني، لكن فيه تخسر أوكرانيا مزيدًا من الأراضي وتتعرض لمزيد من التدمير للبنية التحتية وسقوط آلاف القتلى.
ما يمكن قوله هنا أن الحرب الروسية–الأوكرانية أثبتت أن الجغرافيا السياسية تظل عاملاً حاكمًا في سلوك الدول الكبرى، وأظهرت فشل العقوبات الاقتصادية في كسر روسيا، فلا يمكن أن تعاقب دولة بحجم قارة تمتلك وفرة من الموارد والطاقة والسلاح ولديها ترسانتها النووية. في المقابل، تجد أوكرانيا نفسها أمام معادلة قاسية: إما قبول تسوية منقوصة تحفظ ما تبقى من الدولة، أو مواصلة استنزاف قد يهدد بنيتها السياسية والاقتصادية على المدى الطويل. بهذا العرض، لم تغيّر الحرب حدود أوكرانيا فحسب، بل أعادت تشكيل إدراك العالم لقواعد القوة، وأعلنت عودة صريحة لزمن الواقعية الصلبة في العلاقات الدولية.