مع إعادة النظر في ظل تساؤلات متزايدة حول دور الحليف الروسي في دعم إيران أثناء التهديدات المتصاعدة بشأن توجيه ضربة عسكرية محتملة، يبرز اتجاهان متباينان في تقييم طبيعة العلاقة بين الجانبين وحدودها الفعلية. فبينما يرى فريق أن موسكو لم تقدّم لطهران دعماً استراتيجياً حاسماً في اللحظات الحرجة، بل سبق أن وافقت – إلى جانب بكين – في ست مناسبات داخل مجلس الأمن على قرارات فرض عقوبات على إيران، يرى آخرون أن نمط التعاون بين الطرفين يتسم بالبراغماتية العميقة وإعادة التموضع، لا بالقطيعة أو التراجع.
في هذا السياق، تكشف تقارير حديثة عن إبرام إيران صفقة سلاح سرية مع روسيا بقيمة 500 مليون يورو لشراء منظومات دفاع جوي محمولة على الكتف من طراز 9K333 Verba، تشمل 500 منصة إطلاق و2500 صاروخ، إضافة إلى مناظير ليلية. ورغم أن مثل هذه الصفقات لا ترقى إلى مستوى التحالفات الدفاعية الشاملة، فإن دلالاتها السياسية والاستراتيجية تتجاوز بعدها التقني. فالمنظومات المحمولة على الكتف تعزز قدرات الدفاع الجوي القصير المدى، وتُعدّ أداة فعالة في مواجهة الطائرات المسيّرة والمروحيات والطيران المنخفض، ما يشير إلى سعي طهران لإعادة ترميم فجوات دفاعية ظهرت بوضوح خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية بعد حرب 2025.
العلاقة بين موسكو وطهران لم تكن يوماً علاقة تحالف تقليدي قائم على التزامات دفاع مشترك، بل أقرب إلى شراكة ظرفية تحكمها المصالح المتقاطعة. فمنذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، تشكّلت صيغة تعاون ميداني بين الطرفين، تكرّست عبر مسار أستانا إلى جانب تركيا، حيث نسّقت روسيا وإيران عملياتهما دعماً للنظام السوري. غير أن هذا التنسيق لم يُلغِ التنافس الضمني على النفوذ داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية السورية، ما يعكس طبيعة العلاقة المركّبة التي تجمع بين التعاون والتنافس في آن واحد.
في المقابل، شهدت العلاقة تحولاً نوعياً بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حين اتجهت موسكو لتعميق شراكاتها خارج الفضاء الغربي. وقد اتهمت عواصم غربية إيران بتزويد روسيا بطائرات مسيّرة استخدمت في الجبهة الأوكرانية، وهو ما فتح الباب أمام نمط جديد من “التبادل غير المتكافئ”: دعم إيراني لوجستي وتقني لروسيا، يقابله دعم روسي عسكري وتقني لإيران في مجالات الدفاع الجوي والفضاء والأقمار الصناعية. هذا النمط لا يقوم على منطق الحماية الروسية لإيران بقدر ما يعكس تقاطع مصالح في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية.
غير أن منتقدي فرضية “التحالف الصلب” يشيرون إلى سجل موسكو في مجلس الأمن، حيث وافقت روسيا، إلى جانب الصين، على عدة قرارات عقابية بحق إيران بين 2006 و2010، في إطار الضغوط المتعلقة ببرنامجها النووي. ويرى هؤلاء أن هذا السلوك يعكس استعداد موسكو لاستخدام الورقة الإيرانية ضمن مساوماتها الأوسع مع الغرب، لا سيما في ملفات الدرع الصاروخي وتوسّع حلف الناتو. وعليه، فإن الدعم الروسي لطهران يظل – من هذا المنظور – محكوماً بسقف المصالح الروسية العليا، لا باعتبارات التحالف العقائدي أو الالتزام الأمني المطلق.
في المقابل، يذهب اتجاه آخر إلى أن البيئة الدولية الراهنة، المتسمة بتآكل الثقة بين روسيا والغرب، تجعل من الصعب تكرار سيناريو المقايضة ذاته. فروسيا اليوم تخضع لعقوبات واسعة وتواجه عزلة نسبية في أوروبا، ما يدفعها إلى تعزيز شبكة شركائها في آسيا والشرق الأوسط. ومن هنا، فإن توسيع التعاون العسكري مع إيران – حتى وإن اقتصر على أنظمة دفاعية قصيرة المدى – يحمل رسالة سياسية مفادها أن موسكو لن تتخلى عن شركائها تحت الضغط، وأنها مستعدة لإعادة تشكيل توازنات الردع الإقليمي بطرق غير مباشرة.
الصفقة الأخيرة، إذا صحت تفاصيلها، تعكس أيضاً تحولاً في أولويات إيران الدفاعية. فبدلاً من التركيز الحصري على تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، يبدو أن طهران تسعى إلى تعزيز طبقات دفاعها الجوي القصير والمتوسط المدى، تحسباً لسيناريوهات ضربات جراحية تستهدف منشآتها النووية أو العسكرية. ومن الناحية السياسية، يوفّر هذا التعاون لإيران ورقة ردع إضافية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، حتى لو لم يرقَ إلى مستوى مظلة حماية روسية مباشرة.
أما على مستوى التوازنات الإقليمية، فإن تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية قد يدفع خصومها إلى إعادة حساباتهم، لكنه في الوقت ذاته قد يُسهم في سباق تسلح جديد في الخليج. فالدول الخليجية، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن، قد تنظر إلى تعميق التعاون الروسي–الإيراني باعتباره مؤشراً على إعادة اصطفاف جيوسياسي يتجاوز حدود أوكرانيا وسوريا، ويؤثر في معادلات الأمن الإقليمي.
ختاماً، إن العلاقة بين روسيا وإيران لا يمكن اختزالها في ثنائية “دعم كامل” أو “تراجع تام”. إنها علاقة تحكمها براغماتية استراتيجية، تتبدل وفق ميزان القوى الدولي وسياق الضغوط المتبادلة. الصفقة العسكرية الأخيرة – إن تأكدت – تمثل حلقة جديدة في هذا المسار، تعكس تقاطع مصالح مرحلياً في مواجهة الضغوط الغربية، لكنها لا تعني بالضرورة قيام تحالف دفاعي ملزم. وفي ظل تصاعد احتمالات الضربات العسكرية وتزايد التوترات الإقليمية، ستظل العلاقة بين موسكو وطهران محكومة بمعادلة دقيقة: دعم محسوب دون انخراط مباشر، وتعاون عسكري متدرج دون التزامات أمنية صريحة.