علي جمعة: الاختلاف بين الأجيال يجب أن يكون تكاملًا لا صدامًا
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف الحالي، إن برنامج نور الدين والشباب يهدف في جوهره إلى تحويل الاختلاف بين الأجيال من حالة صدام وتنافر إلى مساحة تكامل وتعاون، تقوم على اكتشاف الأرضية المشتركة بين واقع العصر المتسارع بتعقيداته وتحدياته، وبين القيم الدينية والإنسانية الثابتة.
وأوضح أن الهدف من هذا الطرح هو مصلحة الإنسان والبلاد والعباد، مؤكدًا أن الإسلام لا ينفصل عن واقع الحياة، بل يسعى إلى تحقيق السعادة في الدارين، الدنيا والآخرة، مشيرًا إلى أن الحياة الدنيا لا تكتمل معانيها إلا بالإيمان بالآخرة، لأن إنكارها يفرغ الوجود الإنساني من الغاية والمعنى، ويدفع الإنسان إلى متاهة فكرية لا ضابط لها.
الإيمان بالآخرة أساس المعنى والغاية
وأضاف جمعة، خلال تقديمه برنامج نور الدين والشباب، أن التصور الذي يجعل الموت عدمًا خالصًا هو تصور مظلم، لا يمنح الإنسان هدفًا ولا يمنح أفعاله قيمة حقيقية، إذ يفقد الاختيار معناه، وتضيع البوصلة الأخلاقية، ومن هنا جاءت رسالة الدين لتربط الدنيا بالآخرة، وتجعل العمل في الحياة طريقًا للفلاح الأبدي.
وأشار إلى أن النور الذي أنزله الله سبحانه وتعالى جاء ليهدي الإنسان في مسيرته، ويُخرجه من الحيرة والضياع، مبينًا أن هذا النور تجسّد في القدوة العظمى، رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله نموذجًا حيًا يُحتذى في السلوك والفكر والتعامل.
الرحمة أصل القيم في الإسلام
وأوضح مفتي الجمهورية الأسبق، أن الإسلام دخل إلى القلوب من باب الرحمة، لأنها أصل القيم كلها، ومنها تتولد المحبة، والطاعة، والعطاء. واستشهد بقوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، مؤكدًا أن الخطاب الإلهي بدأ بالجمال والرحمة، كما في قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل الحديث عن صفات الجلال والعقاب، وهذا التقديم مقصود ليوجه الإنسان إلى أن العلاقة مع الله قائمة على الرحمة أولًا، وأن هذه الرحمة هي الأساس في بناء المجتمع السليم والإنسان المتوازن.
ولفت الدكتور علي جمعة إلى أن القرآن الكريم أكد بوضوح مفهوم القدوة، فقال تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا، موضحًا أن القدوة لا تكون إلا لمن جمع بين الإيمان، ورجاء الله، وكثرة الذكر، والتطلع إلى سعادة الآخرة، حيث أن محبة الله مرتبطة باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، مؤكدًا أن الدين لا يكتفي بالتنظير، بل يقدّم نموذجًا عمليًا يُترجم القيم إلى سلوك.
الأمة قدوة ومسؤولية حضارية
وأكد عضو هيئة كبار العلماء، أن الله سبحانه وتعالى حمّل الأمة الإسلامية مسؤولية كبرى، حين قال: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا، موضحًا أن هذه الوسطية ليست تشريفًا فقط، بل تكليف ومسؤولية، فإن أدّتها الأمة نالت أثرها وثمرتها، وإن قصّرت تحمّلت تبعات ذلك.
وفي ختام حديثه، شبه الدكتور علي جمعة أهمية القدوة بالإمام في الصلاة، الذي يُؤتم به، فإن صلحت صلاته صلحت الجماعة، وإن اختل أداؤه اختلت الصلاة، وبيّن أن هذا المعنى ينسحب على كل مجالات الحياة، من المعلم في مدرسته، إلى الأب والأم في البيت، إلى المسؤول في موقع عمله، مؤكدًا أن من لا يلتزم بما يأمر به ولا ينتهي عما ينهى عنه، لا يصلح للقيادة ولا للتوجيه، لأن السلوك العملي هو أبلغ من الكلام، وأن القدوة الصالحة هي حجر الأساس في إصلاح الأفراد والمجتمعات، وبها يتحقق التوازن بين الأجيال، وتُبنى الحضارة على أسس راسخة.

