في توقيت بالغ الحساسية، استقبل سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرئيس عبد الفتاح السيسي في جدة يوم 23 فبراير و5 رمضان على مائدة إفطار حملت رمزية خاصة. في الظاهر لقاء أخوي رمضاني، وفي الجوهر اجتماع استراتيجي يعكس إدراكًا مشتركًا بأن المنطقة تقف أمام مفترق طرق خطير. فالشرق الأوسط يعيش حالة سيولة سياسية وأمنية غير مسبوقة، تتقاطع فيها أزمات غزة والسودان ولبنان وليبيا واليمن، مع تصاعد الحديث عن احتمالات مواجهة واسعة ضد إيران قد تنخرط فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو سيناريو يحمل تداعيات عميقة على الأمن الإقليمي برمته.
الزيارة لم تكن روتينية، بل بدت أقرب إلى "جردة حساب" شاملة لأزمات المنطقة. لأول مرة تتسع الملفات المشتركة بهذا الشكل المتزامن، بما يعكس قناعة القاهرة والرياض بأن مسارات الأزمات باتت مترابطة؛ فما يحدث في غزة يؤثر في لبنان، وما يجري في السودان ينعكس على البحر الأحمر، وأي تصعيد مع إيران قد يشعل ساحات متعددة دفعة واحدة. من هنا، جاء التنسيق المصري–السعودي باعتباره ضرورة استراتيجية، لا مجرد تقارب سياسي.
في قلب المباحثات برز ملف تأمين الملاحة في البحر الأحمر باعتباره أولوية قصوى. مصر، بوابة قناة السويس، تعتمد بشكل أساسي على استقرار هذا الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والتجارة العالمية. والسعودية، صاحبة الساحل الأطول على البحر الأحمر، تدرك أن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على أمنها القومي ومشروعاتها التنموية الكبرى. الرسالة التي خرجت من جدة واضحة: أمن الممرات المائية العربية قرار عربي، والتنسيق في حمايته مسؤولية مشتركة لا تقبل التفويض أو الفراغ.
وفي ظل التهديدات المتكررة لحركة الملاحة، سواء بسبب جماعات مسلحة أو نتيجة تصعيد إقليمي محتمل، يصبح التعاون الأمني والعسكري بين القاهرة والرياض عنصر ردع أساسيًا. فالمعادلة هنا لا تتعلق فقط بحماية سفن أو موانئ، بل بحماية استقرار اقتصادي إقليمي ودولي، ومنع أي طرف من توظيف الفوضى كورقة ضغط سياسية.
الملف الفلسطيني كان حاضرًا بقوة كذلك. القاهرة، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي، تظل طرفًا رئيسيًا في أي مسار يتعلق بغزة، بينما تمثل الرياض ركيزة ثقل عربي ودولي في دعم جهود التهدئة وإعادة الإعمار. التوافق بين الزعيمين على ضرورة وقف نزيف الحرب في غزة يعكس إدراكًا بأن استمرار الصراع يفتح الباب أمام تمدد قوى إقليمية ويزيد احتمالات الانفجار الواسع. ومن ثم، فإن التنسيق المصري–السعودي يشكل حائط صد أمام محاولات تغيير هوية المنطقة أو إعادة رسم جغرافيتها بالقوة.
أما السودان، فهو ملف يمس الأمن القومي للبلدين بشكل مباشر. استقرار الخرطوم ليس شأنًا داخليًا سودانيًا فحسب، بل عنصر توازن للبحر الأحمر والقرن الأفريقي. أي انهيار ممتد هناك قد يخلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه قوى إقليمية أو جماعات مسلحة، بما يهدد خطوط التجارة والطاقة. ومن هنا، يبرز دور القاهرة والرياض في الدفع نحو تسوية سياسية توقف نزيف الحرب وتحفظ مؤسسات الدولة.
الزيارة، وهي الحادية عشرة للرئيس السيسي إلى المملكة منذ 2014، تعكس نمطًا ثابتًا من التشاور العميق. هذا التواتر في اللقاءات لا يُقرأ كدبلوماسية مناسبات، بل كتحالف يتطور ويتجدد. من نيوم إلى جدة وصولًا إلى القاهرة، تتشكل شبكة تنسيق سياسي واقتصادي وأمني ممتدة، هدفها تثبيت الاستقرار وسط بيئة إقليمية مضطربة.
اللافت أن اللقاء جاء في ظل تصاعد التكهنات بشأن احتمال اندلاع مواجهة كبرى ضد إيران. مثل هذا السيناريو، إن تحقق، لن يكون محدودًا جغرافيًا، بل قد يمتد إلى ساحات متعددة عبر وكلاء أو تحالفات عسكرية مباشرة. وهنا تتبدى أهمية التنسيق المصري–السعودي في مستويين متوازيين: الأول، رفع الجاهزية والتشاور حول سيناريوهات الطوارئ؛ والثاني، العمل سياسيًا ودبلوماسيًا لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة قد تعيد رسم خرائط المنطقة بالقوة.
التحالف بين القاهرة والرياض يمثل اليوم عمود خيمة الاستقرار العربي. فمصر بثقلها السكاني وموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، والسعودية بثقلها الاقتصادي والطاقوي ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، تشكلان معًا معادلة توازن يصعب تجاوزها. وعندما تتطابق الرؤى بين العاصمتين حول "تصفير المشاكل" قدر الإمكان، فإن ذلك يفتح الباب أمام مبادرات تهدئة حقيقية، ويغلق في المقابل مساحات المغامرة غير المحسوبة.
في المحصلة، يمكن قراءة زيارة الرئيس السيسي إلى السعودية باعتبارها رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: رسالة طمأنة للداخل بأن هناك تنسيقًا يحمي المصالح الوطنية، ورسالة ردع للخارج بأن أمن المنطقة ليس ساحة مفتوحة، ورسالة دبلوماسية بأن خيار الاستقرار لا يزال ممكنًا رغم العواصف. في زمن تتسارع فيه التحولات، يبدو أن القاهرة والرياض تراهنان على أن التفاهم بينهما هو نقطة الارتكاز الأساسية لمنع الانفجار الكبير، أو على الأقل لإدارته بأقل الخسائر إن فُرض واقع المواجهة.