مصطفى عبد السلام: سيرة نبي الله سليمان توضح خطورة الانشغال بالدنيا عن الله
قال الدكتور مصطفى عبد السلام، إمام جامع عمرو بن العاص، إن من أعظم الدروس التي نتعلمها من سيرة نبي الله سليمان عليه السلام، أن أي شيء يُبعد الإنسان عن ربه سبحانه وتعالى يجب أن يقف معه وقفة مراجعة صادقة، مؤكدًا أن العلاقة مع الله لا ينبغي أن يُزاحمها شغل ولا تجارة ولا صداقة ولا أي أمر من أمور الدنيا، فالمسلم مطالب بأن يُعيد تقييم كل ما يشغله عن طريق الله، سواء كان عملًا أو صحبة أو علاقة اجتماعية، لأن القاعدة الإيمانية الواضحة هي أنه لا استعداد للتفريط في الصلة بالله مقابل أي مكسب دنيوي زائل.
عظمة المكانة وشرف المسؤولية
وأضاف خلال حلقة برنامج "تعلمت من الأنبياء"، المذاع على قناة الناس، اليوم الإربعاء، أن سيدنا سليمان عليه السلام لم يكن نبيًا فحسب، بل كان نبيًا وملكًا عظيمًا جمع الله له بين النبوة والحكم والملك، وهي منزلة لم تُؤتَ لكثير من الخلق. وقد دعا ربه بدعوة خالدة حين قال: رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب، وهذه الدعوة كانت مليئة باليقين والثقة في عطاء الله، فاستجاب الله سبحانه وتعالى له وسخّر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وسخّر له الشياطين يبنون ويغوصون، وآخرين مقرنين في الأصفاد، في صورة من صور العطاء الإلهي الواسع الذي لا يُقاس بمقاييس البشر.
وأكد الدكتور مصطفى عبد السلام، أن كثرة النعم لا تعني دائمًا السلامة، بل قد تكون اختبارًا دقيقًا، وهو ما تجلّى في قصة انشغال سيدنا سليمان بالخيل عن أداء الصلاة، فقد عرضت عليه الصافنات الجياد، فانشغل بها حتى غابت الشمس، وهنا أدرك أن هذه النعمة شغلته عن ذكر ربه، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم سجّل هذا الموقف بوضوح ليكون درسًا خالدًا للبشر، حين قال سليمان عليه السلام: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، في إشارة إلى لحظة الصدق مع النفس والاعتراف بالتقصير.
لا تساهل فيما يقطع الصلة بالله
وأوضح إمام جامع عمرو بن العاص أن موقف سيدنا سليمان كان حاسمًا وصريحًا، إذ أمر بإعادة الخيل التي شغلته عن العبادة، فطفق مسحًا بالسوق والأعناق، في رسالة قوية مفادها أن أي شيء يعطّل الإنسان عن الله لا مكان له في حياته، مؤكدًا أن هذا الموقف يُعلم المسلمين ضرورة الحسم مع كل ما يقطع طريق الوصول إلى الله، سواء كان مالًا أو منصبًا أو شهوة أو علاقة، فالدين لا يقبل أن تكون النعمة سببًا في الغفلة عن المنعم.
وشدد الدكتور مصطفى عبد السلام، على أن أعظم درس في قصة سيدنا سليمان عليه السلام هو عدم الانشغال بالنعم عن الله سبحانه وتعالى، فالمنعم هو الله، وهو الذي أعطى الصحة والرزق والمال والأبناء والزوجة، ولا يجوز أن تُستخدم هذه النعم فيما يُغضبه، موضحًا أن الواجب على المسلم أن يستعمل ما أنعم الله به عليه في طاعته ومرضاته، وإلا خشي على هذه النعم من الزوال، مستشهدًا بأن شكر النعمة يكون بحسن استخدامها، لا بمجرد التمتع بها.
وفي ختام حديثه، أكد إمام جامع عمرو بن العاص، أن قصة سيدنا سليمان ليست حكاية تاريخية، بل منهج حياة، تُعلم المسلم أن يراجع نفسه فورًا إذا وجد أمرًا يُضعف علاقته بالله، وأن يُقدّم رضا الله على كل شيء، حيث أن سلامة القلب واستمرار النعم مرتبطان باليقظة الإيمانية، داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يحفظ على الجميع نعمه، وألا يجعلها سببًا في الغفلة، وأن يرزقنا شكر المنعم قبل زوال النعمة.

