رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المكسيك تشعل أمريكا اللاتينية.. ماذا يحدث على أعتاب الولايات المتحدة؟

المكسيك
المكسيك

تثير الاضطرابات التي اندلعت في المكسيك عقب اغتيال زعيم كارتل خاليسكو للجيل الجديد، اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب حجم العنف، بل لأنها سلطت الضوء برأي بعض المراقبين على هشاشة المنظومة الأمنية في محيط الولايات المتحدة. 

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأ الحديث بجدية عن احتمال امتداد تهديد واسع النطاق إلى داخل الأراضي الأمريكية نفسها، في بلد اعتاد التفاخر بقدرته على حماية حدوده ومجتمعه من الاخطار الخارجية، ولم يكن من قبيل الصدفة أن تضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسألة أمن الحدود في صدارة أولوياتها الاستراتيجية.

المكسيك
المكسيك

والمقصود هنا ليس الحدود الشمالية مع كندا، بل الحدود الجنوبية الممتدة لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر مع المكسيك، وهي حدود واسعة ومعقدة وتعاني من ثغرات كثيرة، ومن خلالها يتدفق ملايين المهاجرين غير النظاميين من بلدان أمريكا اللاتينية، كما تعبر كميات ضخمة من المخدرات باتجاه السوق الأمريكية.

وعلى الجانب الأخر من هذه الحدود، تتكشف فصول جديدة من صراع دموي، فبعد مقتل زعيم كارتل خاليسكو للجيل الجديد، اندفعت ميليشيات تابعة له إلى مواجهة قوات الأمن المكسيكية، فشهدت مناطق عدة أعمال عنف شملت حرق سيارات، وتفجير منازل، وإغلاق طرق سريعة، وبث الرعب بين السكان، وفي الوقت نفسه، بدأت عملية إعادة توزيع النفوذ بين العصابات، حيث سعت جماعات إجرامية إلى تصفية حساباتها في الشوارع، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى.

ورغم أن هذا المشهد ليس جديدًا على المكسيك؛ إذ دأب كل رئيس جديد على إعلان الحرب على عصابات المخدرات، فإن السيناريو يتكرر تقريبا في كل مرة «حملة اعتقالات أو تصفية لأحد الزعماء» يعقبها انفجار موجة عنف واسعة، تدخل فيها العصابات في مواجهة مفتوحة مع الدولة، وغالبًا ما تتمكن من الصمود أو فرض أمر واقع في مناطق نفوذها.

المكسيك 
المكسيك 

 ينفق المستهلكون في الولايات المتحدة مئات المليارات

كل هذا يحدث على مقربة مباشرة من الحدود الأمريكية، والمفارقة التي يطرحها منتقدو الوضع أن السوق الأمريكية نفسها تمثل المصدر المالي الرئيسي لهذه الشبكات؛ إذ ينفق المستهلكون في الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات سنويًا على المخدرات، ويقال أن نسبة كبيرة منها تأتي عبر المكسيك.

وكان من بين أبرز وعود ترامب الانتخابية تشديد الرقابة على الحدود، والحد من تهريب المخدرات وتدفق المهاجرين، وخلال ولايته الأولى تحدث مرارَا عن أزمة الإدمان داخل المجتمع الأمريكي، التي توصف عادة بأزمة المواد الأفيونية؛ لكن الواقع، بحسب منتقديه، يظهر أن معالجة المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد إجراءات حدودية.

فعصابات المخدرات المكسيكية لا تقتصر على امتلاك نفوذ مسلح داخل بلادها، بل تمكنت عبر سنوات من ترسيخ شبكات توزيع داخل الولايات المتحدة نفسها، وفي عدد من مدن الجنوب الأمريكي، تشكل الجاليات ذات الأصول المكسيكية نسبة كبيرة من السكان، ما يضفي بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا إضافيًا على المسألة.

المكسيك 
المكسيك 

وفي ظل هذه المعطيات، قد تلوح واشنطن بخيارات عسكرية، وقد تصدر تصريحات تنتقد إدارة الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم للأزمة؛ لكن أي خطوة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام تصعيد خطير؛ ولهذا تشير تقارير إلى أن الدور الأمريكي في العملية التي استهدفت زعيم الكارتل اقتصر على تبادل معلومات استخباراتية.

وفي تحليل نشره المجلس الأطلسي، جرى التحذير من أن أي عملية عسكرية واسعة ضد عصابات المخدرات قد تجعل الأراضي الأمريكية نفسها عرضة؛ لردود فعل انتقامية، مستندة الى شبكات التوزيع الممتدة من مدن كبرى مثل «لوس أنجلوس، وشيكاجو» إلى مناطق ريفية.

ولفت التقرير إلى، أن لهذه العصابات سوابق في استهداف مسؤولين حكوميين داخل المكسيك، ما يثير مخاوف من إمكان لجوئها إلى أساليب عنيفة ضد سياسيين أو عناصر أمن في حال شعرت بتهديد وجودي.

إذ يرى بعض المحللين، أن تداخل شبكات الإتجار بالمخدرات مع تهريب البشر خلق بنية معقدة وعابرة للحدود، توفر فرصًا متعددة لعمليات تخريبية أو إجرامية داخل الولايات المتحدة، كما أن الإمكانات المالية الضخمة لهذه العصابات سمحت لها بتشكيل وحدات شبه عسكرية مزودة بتقنيات متطورة.

ومن بين الأدوات التي يكثر الحديث عنها حاليًا الطائرات المسيرة، التي باتت تستخدم في نزاعات عدة حول العالم، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، كما تشير التقارير الإعلامية، من بينها ما نشرته صحيفة «ديلي تيلجراف» إلى تبادل خبرات عسكرية وتقنية في ساحات صراع مختلفة، الأمر الذي يعزز المخاوف من انتقال هذه التقنيات إلى أيدي جماعات إجرامية.

وفي المحصلة، يرى مراقبون أن استمرار الفوضى على الجانب الأخر من الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، في ظل تشابك المصالح الاقتصادية والاجتماعية والامنية، يضع واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث أن أي تحرك غير مدروس قد تكون له تداعيات تتجاوز بكثير نطاق المواجهة المباشرة مع عصابات المخدرات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء