أنبياء القرآن.. لوط بين الطهارة والابتلاء وسقوط القرية
في الحلقة السابعة من سلسلة أنبياء القرآن، نقترب من سيرة نبي عاش غريبًا بين قومه، ثابتًا على الحق في بيئةٍ غارقة في الفساد، إنه لوط عليه السلام، النبي الذي جسد معنى الطهارة وسط الانحراف، والصبر وسط السخرية، والتوكل وسط الشدة.
إيمان وهجرة
آمن لوط عليه السلام بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام منذ بدايات الدعوة، ولم يتردد في أن يسير معه في طريق التوحيد، مهاجرًا من أرض العراق إلى بلاد الشام، طلبًا لرضا الله ونصرة لدينه.
كانت هجرته إعلانًا واضحًا أن رابطة العقيدة أقوى من رابطة الأرض والوطن، وأن المؤمن الحقيقي لا يتردد في ترك كل شيء إذا تعارض مع طاعة الله.
قال تعالى: ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم﴾.
دعوة في الظلام
أُرسل لوط عليه السلام إلى قرى سدوم وما حولها، حيث انتشرت الفاحشة بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح الانحراف عادةً علنية لا يُستحيا منها.
كانت البيئة التي عاش فيها بيئة تقلب المفاهيم؛ فيُستنكر الطهر ويُستهزأ بالعفة، ويُتهم الصالح بأنه غريب عن المجتمع.
وقف لوط بينهم داعيًا ومذكرا، يخاطب عقولهم وقلوبهم، وينكر عليهم فعلتهم الشنيعة: ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾.
لم يكن هدفه مجرد التوبيخ، بل الإصلاح؛ أراد أن يعيدهم إلى الفطرة، وأن ينقذ مجتمعًا بأكمله من السقوط الأخلاقي. لكنه قوبل بالسخرية والرفض، حتى بلغ بهم الأمر أن قالوا: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾.
ضيوف وابتلاء
وفي ذروة الابتلاء، جاءت الملائكة إلى لوط عليه السلام في هيئة ضيوف. استقبلهم بكرم الأنبياء، لكنه كان يعلم طبيعة قومه، فخشي عليهم من أذاهم. لم يتخلَّ عن واجبه في حماية ضيوفه، ووقف يدافع عنهم بكل ما أوتي من قوة، قائلاً ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾.
كان الموقف عصيبًا؛ قومٌ مندفعون نحو الفاحشة، ونبيٌّ أعزل إلا من إيمانه. حاول أن يذكّرهم بالله، وأن يعرض عليهم الطريق الحلال، لكنهم أصروا على باطلهم، وكأن القلوب قد أُغلقت.
دعاء وثبات
حين ضاقت به السبل، ولم يبق سبب دنيوي يرتجى، لجأ لوط إلى ربه، رافعًا أكف الضراعة ﴿رب انصرني على القوم المفسدين﴾ ـ ﴿رب نجني وأهلي مما يعملون﴾.
كان يعلم أن النجاة بيد الله وحده، وأن النصر لا يقاس بالعدد، بل بصدق الالتجاء، فجاءه الأمر الإلهي أن يخرج بأهله المؤمنين ليلًا، وألا يلتفت أحد منهم إلى ما سيحل بالقوم.
لحظة العذاب
خرج لوط ومن آمن معه تحت جنح الليل، والسكينة تملأ قلوبهم، بينما خلفهم قرية تستعد لاستقبال قدرها، ومع شروق الفجر، جاء العذاب؛ قلبت القرية رأسًا على عقب، وأُمطرت بحجارة من سجيل، في مشهدٍ يهز القلوب.
قال تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود﴾.