رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من هو بينيدتو كروتشه.. ولماذا طاردته نوبل دون أن ينالها؟

بينيدتو كروتشه
بينيدتو كروتشه

تحل اليوم ذكرى ميلاد الفيلسوف والمؤرخ والسياسى الإيطالى بينيدتو كروتشه، أحد أبرز العقول الفكرية فى أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين، والذي ولد في 25 فبراير عام 1866، وترك إرثًا فلسفيًا وأدبيًا جعله يرشح لجائزة نوبل في الآداب 16 مرة، دون أن ينالها.

ورغم ذلك ظل اسمه حاضرًا بقوة فى المشهد الفكرى، باعتباره أحد أهم ممثلي المثالية الأوروبية الحديثة، وصاحب تأثير واسع تجاوز حدود إيطاليا إلى دوائر الفكر العالمى.

لم يكن كروتشه مجرد فيلسوف يكتب من برج عاجي، بل كان شخصية عامة انخرطت في العمل السياسي والثقافي، ودافعت عن الليبرالية في مواجهة الفاشية، كما شغل منصب رئيس نادى القلم الدولى بين عامي 1949 و1952، ليجمع بين الفكر والموقف، وبين التنظير والممارسة، في لحظة تاريخية كانت أوروبا تعيد فيها تعريف ذاتها بعد الحربين العالميتين.

فلسفة الروح

ارتبط اسم كروتشه بما سماه «فلسفة الروح»، وهى صياغته الخاصة للمثالية المطلقة، التى تأثر فيها بفلسفة هيجل والمثاليين الألمان، لكنه أعاد تقديمها برؤية تاريخية خاصة.

وقسم كروتشه نشاط الروح الإنسانى إلى أربع درجات أساسية: الدرجة الجمالية، والدرجة المنطقية، والدرجة الاقتصادية، والدرجة الأخلاقية.

فالدرجة الجمالية عنده تمثل التعبير الحدسى الفردى، حيث يكون الفن تجليًا مباشرًا للروح فى صورة حسية، بينما تمثل الدرجة المنطقية مجال الفكر المجرد والمعرفة العقلية، أما الدرجة الاقتصادية فترتبط بالمصلحة الفردية والإرادة الخاصة، فى حين تجسد الدرجة الأخلاقية الإرادة العامة والمصلحة الجماعية.

بهذا التقسيم حاول كروتشه أن يقدم بناءً فلسفيًا متكاملًا يربط بين الفن والفكر والسياسة والأخلاق، معتبرًا أن كل نشاط إنسانى هو تعبير عن الروح فى تجلياتها المختلفة، وأن التاريخ ذاته ليس سوى حركة هذه الروح عبر الزمن.

الجمال والتعبير

فى مجال الجماليات، كان كروتشه من أبرز المدافعين عن فكرة أن الفن معرفة حدسية خالصة، وأن الجمال يكمن فى «التعبير» ذاته، لا فى المعايير الخارجية أو الأحكام الأخلاقية.

فالفن عنده ليس تقليدًا للطبيعة، ولا أداة تعليمية، بل فعل إبداعى يعبر عن تجربة داخلية متفردة، وقد أثرت هذه الرؤية على النقد الفنى فى أوروبا، خاصة فى الأوساط الليبرالية والبرجوازية، حيث قدمت تصورًا يمنح الفن استقلاليته الكاملة عن السياسة والاقتصاد، حتى وإن ظل هو نفسه منخرطًا سياسيًا فى قضايا عصره.

موقف سياسى

رغم تصنيفه ليبراليًا، فإن كروتشه لم يكن مؤيدًا للتجارة الحرة وفق مبدأ «دعه يعمل دعه يمر» بالشكل المطلق، كما دخل فى سجالات فكرية مع تيارات متباينة، وتأثر به مفكرون من اتجاهات مختلفة، من بينهم الماركسى أنطونيو جرامشى، وكذلك الفيلسوف الفاشى جيوفانى جنتيلى، ما يعكس مدى اتساع تأثيره الفكرى.

وقد عرف عنه معارضته الصريحة للفاشية الإيطالية، واعتبر أحد الأصوات الفكرية البارزة التى واجهت النزعة الشمولية، مؤمنًا بأن الحرية الفكرية والتاريخية شرط أساسى لأى نهضة حقيقية.

ظل كروتشه حتى وفاته عام 1952 رمزًا للفيلسوف الذى جمع بين التأمل النظري والانخراط في قضايا مجتمعه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء