التقارب المصري السعودي.. تناغم استراتيجي في ظل التحديات الإقليمية
مع تنامي التوتر في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر، يشهد التقارب بين مصر والسعودية تطوراً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة.
هذا التناغم، الذي يأتي كرد فعل على التحديات المشتركة مثل التهديدات في البحر الأحمر والنفوذ الإقليمي لدول أخرى، يعكس رغبة البلدين في تعزيز التعاون الاستراتيجي للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
تقارير غربية حديثة تؤكد على هذا الاتجاه، مشيرة إلى اتفاقيات دفاعية محتملة قد تغير موازين القوى في المنطقة.
جذور تاريخية وتحديات سابقة

تتميز العلاقات المصرية السعودية بعمق تاريخي يعود إلى عقود، حيث كانت المملكة دائماً داعماً اقتصادياً رئيسياً لمصر، خاصة في أوقات الأزمات.
في عام 2024، بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 16 مليار دولار، مع استثمارات سعودية في مصر تصل إلى 35 مليار دولار بحلول 2025.
ومع ذلك، شهدت العلاقات بعض التوترات في السنوات الماضية بسبب اختلافات في المواقف الإقليمية، مثل الملف اليمني والسوداني.
اليوم، يبدو أن هذه الخلافات قد تلاشت، حيث أصبحت المواقف "متطابقة" في قضايا مثل الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها، كما أكدت بيانات رسمية عقب زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى القاهرة في يناير الماضي.
زيارات رفيعة المستوى وتنسيق سياسي
شهد العام 2026 بداية قوية لهذا التقارب، مع زيارة الرئيس السيسي للسعودية بالأمس وقيام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باستقباله في مطار جدة ودعوته على إفطار رمضاني، كل هذا يأتي لتعزيز العلاقات الثنائية وأمن المنطقة.
كما أكد الجانبان على ضرورة احترام سيادة الدول وتجنب التصعيد، مع التركيز على أزمات غزة والسودان واليمن.
تشكل محور مصري سعودي تركي
هذه الزيارة تأتي بعد سلسلة من اللقاءات، بما في ذلك اجتماع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ولي العهد السعودي، ثم زيارته إلى مصر، مما يشير إلى تشكل محور إقليمي أوسع يشمل تركيا والسعودية ومصر، وصف بـ"المحور السني".
في السياق نفسه، أبرمت مصر اتفاقيات عسكرية مع تركيا في فبراير 2026، بقيمة 350 مليون دولار، تشمل إنتاجاً مشتركاً للأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
هذا التقارب يمتد إلى السعودية، حيث يُنظر إليه كجزء من استراتيجية إقليمية لمواجهة التحديات المشتركة.
اتفاقيات دفاعية وتحالفات جديدة
يبرز الملف العسكري كأبرز جوانب هذا التقارب. في سبتمبر 2025، أعلنت مصر والسعودية عن اتفاق لتشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر، تجنباً للارتباط بالتحالفات الغربية.
وفي يناير 2026، أكدت تقارير عن إنهاء السعودية لاتفاقية عسكرية جديدة مع الصومال ومصر، تهدف إلى تعزيز الأمن في البحر الأحمر ومواجهة نفوذ الإمارات العربية المتحدة.
هذا التحالف الثلاثي يأتي كرد على إلغاء الصومال اتفاقيات أمنية وموانئ مع الإمارات، متهمة إياها بانتهاك سيادتها.
كما وقعت السعودية اتفاقاً دفاعياً مع باكستان يشبه حلف الناتو، وقد يشمل مصر وتركيا ودولاً أخرى، مما يشير إلى تشكل "ناتو إسلامي" محتمل.
في مصر، عيّن الرئيس السيسي الفريق أشرف سالم زاهر وزيراً للدفاع في فبراير 2026، وهو خطوة تركز على تطوير الصناعات الدفاعية وتنويع مصادر الأسلحة، بما في ذلك الشراكات مع الصين والسعودية.
تقارير غربية ومخاوف إسرائيلية
أثارت هذه التطورات قلقاً في الدوائر الغربية والإسرائيلية. تقرير لوكالة بلومبرغ في يناير 2026 يشير إلى أن السعودية تسعى لتشكيل تحالف عسكري مع الصومال ومصر للحد من نفوذ الإمارات في المنطقة.
كما حذرت تقارير إسرائيلية من أن تحالفاً مصرياً سعودياً قد يشكل "الجبهة الأخطر" لأمن إسرائيل الجنوبي، خاصة مع الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند الذي أثار غضباً عربياً.
مجلة "Epoch" الإسرائيلية أكدت أن السعودية ومصر تقيمان موقفهما تجاه التمدد الإسرائيلي، مع سعي لتحالف يشمل تركيا والصومال.
في تقرير لمركز "ستيمسون" الأمريكي، يُنظر إلى هذا التقارب كنتيجة للشكوك في ضمانات الأمن الأمريكية، مما يدفع مصر والسعودية نحو شراكات إقليمية مستقلة.
الآثار الإقليمية والمستقبلية
يُتوقع أن يعزز هذا التقارب الاستقرار في البحر الأحمر، لكنه قد يزيد من التوترات مع الإمارات وإسرائيل.
كما يفتح الباب أمام تحالف أوسع يشمل تركيا وباكستان، مما يغير ديناميكيات الشرق الأوسط. ومع ذلك، يظل التحدي الاقتصادي قائماً.
يمثل التناغم المصري السعودي خطوة استراتيجية نحو تعزيز السيادة الإقليمية، لكن نجاحه يعتمد على القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.