حكاية النخبة التي أعادت تعريف أفريقيا في كتاب «القيم السياسية»
صدر مؤخرًا عن المركز القومي للترجمة، برئاسة الدكتورة رشا صالح، ضمن الإصدارات الفكرية، كتاب "القيم السياسية.. وطبقة المتعلمين في أفريقيا" للمفكر الكيني البارز على مزروعي، وترجمة عزة خليل، أحد الأعمال التي تتجاوز زمن صدورها لتظل فاعلة في وعينا حتى اليوم.
ويناقش الكتاب السياق التاريخي والفكري الذي تشكّلت فيه طبقة المتعلمين في أفريقيا، مع تركيز خاص على الشرق الأفريقي، مستندًا إلى الخبرة الشخصية الطويلة لمؤلفه الذي درس هناك ثم عمل معلمًا لسنوات عديدة.
ويتتبع مزروعي نشأة هذه الطبقة، وتأثيرها في البنية الاجتماعية والسياسية، وتأثرها بها في الوقت ذاته، ومن خلال هذا التماس الحي بين التجربة الذاتية والتحليل الأكاديمي.

فلسفة التعليم وأهدافه
ويتعمق العمل في تحليل تطور فلسفة التعليم وأهدافه وأدواره، منذ نشأة التعليم الجامعي في القارة خلال المرحلة الاستعمارية، حيث تنوعت أنماط الاستعمار بين الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي، وانعكس ذلك على تشكيل النخب وأنساق القيم التي حملتها.
ثم ينتقل إلى مرحلة الاستقلال وبناء الأمة، ليرصد الدور المحوري الذي اضطلع به المثقفون في مقاومة الاستعمار السياسي، دون أن يغفل مفارقة بالغة الدلالة: إسهام بعضهم في تعميق التبعية الفكرية، حتى وهم يسعون إلى التحرر منها. ومع ذلك، لا ينكر عليهم دورهم في السعي إلى فك هذه التبعية ضمن شروط جديدة للتثاقف المتبادل بين شعوب ما كان يُعرف بالعالم الثالث وسائر شعوب العالم.
جدير بالذكر أن الكتاب قد صدر في أواخر سبعينيات سبعينيات القرن العشرين، ويطرح قضايا بطريقة معالجة لا تزال تقدم إضاءة كاشفة في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؛ إذ يتيح لنا التعرف إلى تطور الفكر السياسي في أفريقيا، ولا سيما فيما يتعلق بدور المثقف والمتعلم في بناء المجتمع وتغيير الدولة، وهي أسئلة ما زلنا نعيد طرحها حتى اليوم بصيغ أكثر تعقيدًا.
يذكر أن كتاب لا يكتفي بتأريخ ظاهرة، بل يعيد مساءلة العلاقة بين القيم والسياسة، بين المعرفة والسلطة، وبين المثقف ومجتمعه.





