الهاتف في المدارس بين المنع والتقنين.. معركة الوعي والتحول الرقمي| خاص
أكد الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن الحديث عن الهواتف المحمولة في المدارس جرى تضخيمه بصورة مبالغ فيها، موضحًا أن وجود الهاتف مع الطالب في الأيام الدراسية العادية لم يفرز أزمات حقيقية تذكر.
وأشار إلى أن المشكلة الفعلية ترتبط بحالات الغش وتسريب الامتحانات، وهي وقائع محدودة ومحصورة في لجان الاختبارات، وليست ظاهرة يومية داخل الفصول.
كاميرا كشفت الخلل ولم تصنعه
وأوضح حجازي أن الهاتف المحمول لم يكن سببًا في الأزمات المدرسية، بل أداة كشفت بعض التجاوزات وسلطت الضوء على مشكلات قائمة بالفعل.
وأضاف أن التركيز على الهاتف باعتباره «المتهم الرئيسي» يتجاهل جذور المشكلات التربوية والتنظيمية، ويختزل القضية في أداة تقنية بدلاً من معالجة الخلل من منبعه.
تناقض مع مشروع الدولة الرقمي
وشدد على أن الدعوة لمنع الهواتف تتعارض مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي الشامل، في وقت تتوسع فيه الحكومة في تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي وتحفيز الطلاب على التفاعل مع التكنولوجيا. وتساءل: كيف نطالب الطالب بالاندماج في عالم رقمي ثم نطالبه بترك وسيلته التكنولوجية خارج أسوار المدرسة؟
بين المنع والتقنين.. أين الحل التربوي؟
وانتقد حجازي ما وصفه باللجوء إلى «الحل الأسهل»، وهو المنع الكامل، بدلاً من تبني سياسات تقنين وتوعية وتدريب. وأكد أن الإدارة الرشيدة لا تعني الحظر، بل تعني وضع ضوابط واضحة وتدريب الطلاب على الاستخدام الرشيد، مشيرًا إلى أن التربية الحقيقية تقوم على التعليم لا المصادرة.
التعلم النقال فرصة لا تهديد
وأشار إلى تنامي الأبحاث العلمية حول «التعلم النقال» وتوظيف الهاتف في العملية التعليمية، موضحًا أن بإمكان المناهج وطرق التدريس أن تتطور لاستيعاب الهاتف كوسيلة تعليمية داخل الفصل. ولفت إلى أن الطالب يمكنه استخدام هاتفه في متابعة الشرح وتنفيذ أنشطة تعليمية رقمية، بدلًا من اعتباره مصدر تهديد دائم.
البرلمان يناقش الحظر وتجارب دولية حاضرة
في المقابل، قال وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان إن مصر ليست بمعزل عن العالم في مناقشة تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا، مستشهدًا بتجربة فرنسا التي أقرت حظر استخدام الهواتف في المراحل الابتدائية والإعدادية ووسّعته ليشمل الثانوية. كما أشار إلى توجهات مشابهة في أستراليا وألمانيا وإنجلترا.
60 دولة تطبق الحظر.. ودعوة للتنفيذ في مصر
وخلال اجتماع لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب برئاسة النائب أحمد بدري، أوضح رشوان أن الحظر مطبق في نحو 60 دولة حول العالم، مطالبًا بتطبيقه في مصر ضمن مشروع متكامل تتشارك فيه الوزارات المعنية، مع العمل على نشر الوعي المجتمعي بخطورة الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا بين الأطفال.
ولي الأمر في قلب المواجهة
وأكد وزير الدولة للإعلام أن ولي الأمر شريك أساسي في حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، مشيرًا إلى أن العقوبات المالية قد لا تكون رادعة للشركات الكبرى، بينما تمثل العقوبات الجنائية أداة أكثر تأثيرًا.
وطرح تساؤلات إجرائية حول آليات التطبيق والعقوبات، داعيًا إلى حملات توعوية موحدة تشارك فيها مختلف الجهات تحت شعار جامع.
بهذا تتصاعد المواجهة بين اتجاهين: أحدهما يرى في الهاتف أداة يجب توظيفها تربويًا داخل المدرسة، والآخر يعتبر الحظر ضرورة لحماية الطلاب. وبين المنع والتقنين، تبقى المعادلة الأصعب هي كيفية صناعة وعي رقمي متوازن لا يهدر الحرية ولا يفرّط في الانضباط.