منذ فجر الرابع والعشرين من فبراير 2022 دخلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الخامس، مخلفةً وراءها حصادًا رقميًا ثقيلًا يعكس حجم المأساة وتعقيداتها العسكرية والإنسانية والاقتصادية. لقد كشفت أحدث التجميعات الأممية أن الصورة، رغم كثافة الأرقام، لا تزال غير مكتملة بالكامل، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن ما تم توثيقه أقل من الواقع الفعلي بسبب صعوبات التحقق في مناطق واسعة من خطوط التماس. ومع ذلك، فإن الأرقام الموثقة وحدها كافية لرسم مشهد بالغ القسوة.
على المستوى الإنساني المباشر، سقط ما لا يقل عن 15,172 مدنيًا قتيلًا، وأصيب 41,378 آخرون بجروح موثقة، وبين هؤلاء 766 طفلًا قُتلوا و2,540 طفلًا جُرحوا، في دلالة صادمة على أن الحرب لم تترك مساحة آمنة حتى للفئات الأكثر هشاشة. ولا تتوقف الخسائر عند القصف المباشر، إذ تسببت الألغام ومخلفات الحرب في مقتل 483 مدنيًا وإصابة 1,196 آخرين، وهو رقم يكشف أن الموت يستمر حتى بعد توقف المعارك في بعض المناطق. اللافت أن عام 2025 وحده سجل 2,526 قتيلًا و12,162 جريحًا، وهو مستوى يفوق ما شهدته 2023 و2024، بما يعكس تصاعدًا في كثافة الاستهداف أو اتساع رقعته، ويؤكد أن الحرب لم تدخل مرحلة انحسار إنساني حقيقي رغم مرور أربع سنوات.
هذا النزيف البشري ارتبط بأكبر موجة نزوح تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فقرابة 10 ملايين أوكراني وجدوا أنفسهم بين نازح داخل البلاد ولاجئ خارجها، مع نحو 3.8 مليون نازح داخليًا و5.6 مليون لاجئ في الخارج. وفي عام 2026 لا يزال 10.8 مليون شخص داخل أوكرانيا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم 2.2 مليون طفل، وهو رقم يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد نزوح طارئ، بل تحولت إلى وضع إنساني طويل الأمد. ملايين يعيشون بين مساكن مؤقتة، ومدن مدمرة جزئيًا، وخدمات أساسية متقطعة، في ظل ضغط مستمر على البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
وعند الانتقال إلى حجم الدمار المادي، تظهر الأرقام فجوة هائلة بين ما تم تدميره وما يمكن تعويضه سريعًا، فالتقييم المشترك حتى نهاية 2024 قدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات بنحو 524 مليار دولار، في حين بلغت الأضرار المباشرة 176 مليار دولار. نحو 13% من إجمالي المخزون السكني في البلاد تضرر أو دُمر، وهو ما أثر على أكثر من 2.5 مليون أسرة، أي ملايين الأشخاص الذين فقدوا منازلهم أو يعيشون في مساكن غير صالحة بالكامل.
قطاع الطاقة كان من أكثر القطاعات استهدافًا، مع زيادة بنسبة 70% في الأصول المتضررة أو المدمرة مقارنة بالتقييم السابق، بما يشمل مرافق التوليد والنقل والتوزيع والتدفئة المركزية، وهو ما يفسر أزمات الكهرباء والتدفئة المتكررة التي عانى منها السكان خلال فصول الشتاء القاسية. كما تركز 72% من إجمالي الضرر في المناطق القريبة من الخطوط الأمامية، ما يكرس فجوة تنموية وجغرافية عميقة داخل البلاد. ومع أن 7.37 مليار دولار خُصصت لبرامج التعافي في 2025، بقيت فجوة تمويل تقارب 9.96 مليار دولار، وهو ما يعكس التحدي المزمن بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.
اقتصاديًا، كانت الصدمة الأولى في 2022 مدمرة، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 30%، وهو تراجع حاد يعكس توقف قطاعات كاملة، وتعطل الصادرات، وتدمير البنية الإنتاجية. ورغم تسجيل نمو قدره 5.7% في 2023 وفق تقديرات رسمية، فإن هذا التعافي الجزئي جاء من قاعدة منخفضة جدًا، ما يعني أن الاقتصاد ما يزال بعيدًا عن مستويات ما قبل الحرب. حتى السيناريوهات الأساسية تشير إلى أن العودة إلى تلك المستويات قد لا تتحقق قبل عام 2030، ما لم تحدث تغيرات جذرية في مسار النزاع وإعادة الإعمار. بعبارة أخرى، فإن أوكرانيا لا تواجه فقط كلفة حرب آنية، بل فجوة تنموية تمتد لسنوات طويلة.
في المقابل، لعب الدعم الدولي دورًا حاسمًا في إبقاء الدولة الأوكرانية قادرة على الصمود ماليًا وعسكريًا. ووفق أحدث تحديثات متتبع الدعم الدولي حتى فبراير 2026، بقي إجمالي المساعدات المخصصة مستقرًا نسبيًا في 2025 رغم ما وُصف بتوقف الدعم الأمريكي، وذلك بفضل توسع الدعم الأوروبي، حيث ارتفعت المساعدات العسكرية الأوروبية بنسبة 67% فوق متوسط 2022–2024، وارتفعت المساعدات غير العسكرية بنسبة 59%. وتشير تقديرات تتبع مساعدات 41 دولة إلى أن إجمالي ما قُدم منذ بداية الحرب بلغ ما لا يقل عن 309 مليارات يورو. ومع ذلك، تختلف الأرقام تبعًا لتعريف المساعدات، بين تعهدات والتزامات وتحويلات فعلية، وبين مساعدات مباشرة وقروض أو دعم عبر مؤسسات دولية، ما يجعل القراءة الدقيقة لهذه الأرقام أمرًا معقدًا.
ومن أخطر الإرث الطويل الأمد للحرب انتشار الألغام ومخلفات المتفجرات، إذ يُقدر أن نحو 23% من أراضي أوكرانيا قد تكون ملوثة أو معرضة لخطر الذخائر غير المنفجرة. ورغم مسح 35 ألف كيلومتر مربع وإعلانها مناطق آمنة خلال نحو عامين ونصف، فإن المساحات المتبقية تعني أن الخطر سيستمر لسنوات، ليس فقط كتهديد أمني، بل كعائق أمام الزراعة والاستثمار وعودة السكان.
أما على صعيد السيطرة الميدانية، فتشير تقديرات واسعة التداول إلى أن روسيا تسيطر على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، تشمل القرم وأجزاء من الشرق والجنوب، ما يعكس تحول خطوط القتال إلى واقع جغرافي وسياسي جديد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض المستقبلية.
عند جمع هذه الأرقام معًا، يتضح أن حصاد أربع سنوات من الحرب لا يُختزل في رقم واحد، بل في شبكة مترابطة من الخسائر: أكثر من 15 ألف مدني قتيل موثق، وأكثر من 41 ألف جريح، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد انكمش بنحو الثلث في عامه الأول، ودمار مباشر بـ176 مليار دولار، واحتياجات إعادة إعمار تتجاوز نصف تريليون دولار، في ظل دعم دولي تخطى 309 مليارات يورو. إنها حرب أعادت تشكيل الجغرافيا والسكان والاقتصاد في آن واحد، وتركت وراءها كلفة إنسانية وتنموية ستظل تؤثر في أوكرانيا والمنطقة لسنوات طويلة حتى بعد توقف المدافع.