حكاية ساعة قبل الفطار.. رجل أمن الدولة الغلبان
في ساعة تسبق أذان المغرب بدقائق، حين تتباطأ الخطى ويخفّ ضجيج النهار قليلًا، تبدو الوجوه أكثر صدقًا، والمقاهي تمتلئ بالمنتظرين، المسافرون يتأملون لوحات المواعيد، وأكواب القهوة تصدر بخارًا خفيفًا كأنها أنفاس متقطعة قبل لحظة فاصلة.
في سلسلة «حكاية ساعة قبل الفطار» لا نحكي عن الأبطال، بل عن البشر، وعن أولئك الذين يبدون عاديين في الظاهر، لكنهم يحملون في صدورهم حكايات ثقيلة، مؤجلة، لا تخرج إلا في لحظة صفاء أو ضعف، ورمضان ليس شهر الملائكة فقط، بل شهر الاعترافات أيضًا.
واليوم، في القصة السادسة، نلتقي بـ«رجل أمن الدولة الغلبان».. حكاية تبدأ في ركن هادئ من بوفيه محطة مصر، وتنتهي في ركن أعمق من الروح، حيث لا ينفع منصب ولا نجمة على الكتف.
رجل أمن الدولة الغلبان
قابلته يجلس وحيدًا في ركن من بوفيه محطة مصر. لم أتعرف عليه أول الأمر. جلست بعيدًا منتظرًا قطار السابعة مساءً، كانت الساعة تقترب من السادسة، وكعادتي اشتريت عددًا من الصحف، وجلست أقرأ وأشرب القهوة حتى يحين موعد القطار.
ضجيج التلفزيون ذي الشاشة الكبيرة يملأ المكان. عادة مصرية بغيضة منذ أكثر من ربع قرن، أن يُترك الصوت مرتفعًا بلا داعٍ، لا أفهم كيف يتأقلم الناس معها ويتحدثون كأن شيئًا لا يزعجهم.
لاحظت أنه يمعن النظر إلي، مرة، واثنتين، ثم لم يعد يحيد ببصره، كان في الستين تقريبًا، يرتدي بدلة رغم حرارة الصيف، بلا ربطة عنق. حاولت تجاهله، لكني لم أستطع.. في المرة الثالثة ابتسم، ولوّح بيده، ثم قام واتجه نحوي.
- إزي حضرتك يا أستاذ حسين؟
ارتبكت.
- أهلا وسهلا… حضرتك تعرفني؟
- تسمح لي أقعد؟
جلس قبل أن أجيبه.
- حضرتك نسيتني… معاك حق. بس أنا ما نسيتكش.. حضرتك بقيت كاتب مشهور… صورك في كل الجرايد. أنا زكريا أحمد.
انتبهت فورًا ضحكت.
- أنا في حياتي ما عنديش غير اتنين زكريا أحمد… الموسيقار العظيم… وضابط أمن الدولة اللي قبض عليّ سنة 1985!
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
- خلاص يا حسين بيه… أنا سبت البوليس من زمان.
- معاش؟
- لا… حكاية كده. اسمح لي أعزمك على قهوة… اعتذار يعني.
ضحكنا قليلًا. ثم صمت فجأة، ونظر إلى سطح المنضدة.
- بس أنا مش زعلان إنك ما تعرفتش عليّ… أنا زعلان إني سبت البوليس… ومن زمان.
سألته:
- ليه؟
تنهد طويلًا.
- في رمضان سنة 86… بعد ما قبضت عليك بسنة… جاتنا أخبار عن مجموعة شباب ناويين يعملوا تفجيرات، كل التحريات كانت بتأكد.. العادة عندنا نقبض في الفجر… الناس نايمة، ما نقلقش الجيران. لكن في رمضان محدش بينام..اقترحت على رئيسي نقبض عليهم ساعة الفطار.
رفعت حاجبي
- ساعة الفطار؟
- أيوه… عارف إنه اقتراح غير إنساني… وشؤم كمان.
ابتسم ابتسامة مكسورة.
- كان عندنا معلومة إنهم بيفطروا سوا في شقة في بولاق الدكرور. قلنا نلمهم مرة واحدة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
- قبل الأذان بدقيقة كنا محاصرين البيت. خبطنا. فتح لنا شاب بدقن. أول ما شافنا عرف إحنا مين… لكنه رحّب بينا.. زي ما أنت رحّبت بينا يوم ما جينا لك الفجر.
ابتسمت رغم توتري.
- دخلنا، كانوا بيصلوا المغرب، سيبناهم يصلوا، اللي فتح قال: ممكن نشرب عصير قبل ما ننزل؟ وافقت.. دخلوا المطبخ، وجابوا صواني عليها كوبايات قمر الدين، شربوا… والمخبرين شربوا… وضابط شاب شرب.
صمت
- نزلناهم في العربيات. وصلنا المقر… نزلت أنا والسواقين… ما نزلش غير الضابط اللي ما شربش. الباقي… ماتوا في مكانهم.
شعرت ببرودة في أطرافي.
- ماتوا؟ إزاي؟
- شرحنا الجث، ما فيش سم. اتعذبوا علشان يعترفوا… ما فيش تفسير، مات منهم اتنين تحت التعذيب.
صوت التلفزيون ظل مرتفعًا، لكني لم أعد أسمعه.
قلت بصعوبة:
- طب ليه حضرتك ما حصلكش حاجة؟
-الضابط اللي ما شربش… بعد سنة طلقة
خرجت من سلاحه وهو بينضفه… في وشه. مات. يمكن أنا عايش علشان أتعذب.
- علشان كده سبت الخدمة؟
ابتسم بسخرية:
- لا… اترفدت. اتشائموا مني. حجيت عشر مرات… ومش قادر أنسى. دلوقتي فاتح محل ملابس حريمي… بس مش مرتاح.. مستني الموت في أي لحظة. باخد بالي من كل حاجة. يمكن دلوقتي أرتاح بعد ما حكيت لك.
نظر إليّ طويلًا.
لم يكن أمامي ضابط أمن دولة.
كان أمامي رجل خائف.
رجل يعيش عقوبة لا تنص عليها القوانين.
رجل هزمته لحظة اقترح فيها أن تُؤجل الرحمة إلى ما بعد الإفطار.
ارتفع أذان المغرب من بعيد.
سكت التلفزيون أخيرًا.
وبقي صوته هو فقط
يردد في داخلي:
"يمكن أرتاح بعد ما حكيت."