دخلت الأزمة الإيرانية / الأمريكية في فبراير/2026 مرحلة شديدة الحساسية والخطورة يمكن وصفها (بحافة الهاوية)، حيث يتزامن الحشد العسكري الأمريكي الضخم بمنطقة خليج عدن وشبه الجزيرة العربية مع محاولات تفاوضية غير مباشرة بين الطرفين في ديناميكية مشوشة يُفترض نظريًا أنها محاولة لمنع الوصول إلى نقطة الانفلات. وتتمثل السمة الأبرز للموقف الراهن في سريان ثلاثة مسارات رئيسية في وقت واحد كالآتي:
1- مسار تفاوضي غير مباشر تدعمه وساطات إقليمية (عُمان ومصر وتركيا).
2- مسار ضغط اقتصادي أمريكي مستمر عبر رفع مستوى العقوبات على إيران.
3- مسار ردع إيراني يعتمد على استعراض القدرة على التأثير في أمن الملاحة بالخليج العربي، مع التلويح برفع كلفة المواجهة العسكرية مع أمريكا حال قيامها بضرب إيران بالفعل.
هذا التداخل يمكن بلورته في أنه بالفعل قد أوجد حالة من الهشاشة الأمنية الخطيرة (غير مستشعرة حتى الآن للكثيرين) بمنطقة الخليج العربي، والتي قد تتحول فورًا إلى كارثة إقليمية مفتوحة ومروعة إذا وقع ما لا تُحمد عقباه وسحبت أمريكا زناد آلتها العسكرية ضد إيران، مع وجود فرصة ليست محدودة بوجود خطأ في تقديرات الموقف العسكري والتوابع الأمنية المرتقبة على الإقليم بعد التنفيذ.
الواقع السياسي يشير إلى أن واشنطن وطهران تتعاملان مع التفاوض بوصفه أداة لإدارة الموقف من منظورين مختلفين بالتأكيد، وليس بوصفه مدخلًا لحل جذري. فالتجارب السابقة، وعلى رأسها مسار الاتفاق النووي وما تلاه من انسحاب أمريكي، جعلت الطرفين أكثر تشككًا في جدوى الاتفاقات طويلة المدى... فإيران ترى أن أي تسوية لا تقدم مكاسب اقتصادية ملموسة ومضمونة، مع الاحتفاظ بحقها في إنتاج مشروعها النووي للأغراض السلمية، ستكون بلا معنى، بينما ترى الولايات المتحدة أن أي تخفيف كبير للعقوبات دون ضمانات رقابية صارمة سيُفسَّر كتنازل مجاني يعيد تمكين إيران إقليميًا. وبناءً على ذلك، تبدو احتمالات التوصل إلى اتفاق شامل محدودة للغاية، وأن المسار الكارثي الآخر بات وشيكًا.
يبقى الملف النووي محور الأزمة الأكثر حساسية. فالقضية لم تعد فقط متعلقة بمستويات التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل أصبحت مرتبطة بالثقة في نظام الرقابة والتحقق... وبقدرة أي اتفاق على الصمود سياسيًا عبر تغير الإدارات الأمريكية تباعًا؛ لأن إيران ترفض تقديم تنازلات واسعة دون رفع العقوبات فعليًا، كما أنها ترفض تمامًا أن يتحول الملف النووي إلى مدخل لفرض شروط إضافية تتعلق بمنظومة الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الخاصة بها أو حتى نفوذها الإقليمي بمنطقة شبه الجزيرة العربية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن تجاهل هذه الملفات يُفرغ أي اتفاق من معناه الاستراتيجي كما تريد السياسة الأمريكية، حيث إن جوهر التهديد الحالي في نظرها لا يقتصر على النووي وحده. ومن هنا فإن هذا التباين جعل مسار المفاوضات شديد الهشاشة وقابلًا للانهيار في أي لحظة.
في الجانب الاقتصادي، ما زالت الولايات المتحدة تعتمد على العقوبات بوصفها الأداة الأكثر استخدامًا والأقل كلفة سياسيًا مقارنة بالخيار العسكري. ويبدو أن هدف العقوبات في 2026 لم يعد فقط الضغط لإعادة إيران إلى التفاوض، بل أيضًا لتقليص قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية وإضعاف شبكات الالتفاف على العقوبات، خصوصًا في مجال تصدير النفط. غير أن الخبرة الإيرانية المتراكمة في التفاعل مع نظام العقوبات الممتد لأكثر من 45 سنة مضت تشير إلى أن هذه العقوبات، وبالرغم من تأثيرها العميق على الاقتصاد الإيراني، لم تؤدِّ إلى تغيير استراتيجي في توجهات الدولة، بل دفعتها إلى توسيع علاقاتها مع روسيا والصين كبديل استراتيجي ممتاز... أما على الصعيد الإقليمي، فتتخذ الأزمة صورة صراع غير مباشر في أكثر من ساحة. فإيران تستثمر في شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة التي تمنحها نفوذًا سياسيًا وأمنيًا في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، بحيث تعتبر طهران هذا النفوذ عاملًا أساسيًا من استراتيجية الردع لديها ووسيلة فاعلة لمنع نقل الصراع إلى داخل أراضيها عبر خلق جبهات ضغط خارجية متعددة. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن هذا النفوذ يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض مصالحهم الأمنية، ومن هنا فهم يسعون إلى احتوائه عبر دعم خصوم إيران وتعزيز التحالفات العسكرية في الخليج والشرق الأوسط.
ويتجسد الجانب العسكري من الأزمة الراهنة في معادلة ردع متبادل. فالولايات المتحدة تمتلك حضورًا عسكريًا واسعًا في المنطقة يهدف إلى حماية المصالح الحيوية، وعلى رأسها أمن الملاحة والطاقة، وفي المقابل طورت إيران قدرات صاروخية وبحرية غير تقليدية تجعلها قادرة على تهديد القواعد الأمريكية وإرباك حركة التجارة في مضيق هرمز في حال التصعيد. ويُلاحظ أن إيران في 2026 تواصل استخدام استراتيجية “الردع بالإزعاج”، أي إظهار القدرة على خلق كلفة عالية للخصم دون الدخول في المواجهة التقليدية المفتوحة. وفي التقدير، فإن هذه الاستراتيجية تفسر كأحد أهم الأسباب عن لماذا لم تتحرك أمريكا عسكريًا ضد إيران حتى الآن، إلا أن تكون تسعى إلى ضبط ديناميكيات الصراع وتوابعه السريعة إن وقعت المواجهة... فمن الواضح بشدة أن الولايات المتحدة تحاول الموازنة بين إظهار الصلابة تجاه إيران وبين تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مكلفة قد تؤثر على هيبتها العسكرية وردعها الاستراتيجي، وكذلك على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
خلاصة التقدير: فإن الأزمة الإيرانية / الأمريكية 2026 من الواضح أنها لا تسير نحو تسوية حقيقية وشاملة، وعلى الأغلب تبدو أقرب لأن تكون متجهة نحو حرب مباشرة حتمية شاملة وليست محدودة حتى، ويبدو أنها قريبة جدًا... فهذه الأزمة التي تُدار وفق محوري الردع والتفاوض في آن واحد تجابه نقاط خلاف رئيسية بين طرفيها، حيث يحاول كل طرف رفع كلفة خصمه دون دفع الصراع إلى نقطة اللاعودة في نفس الوقت، وهو ما يبدو صعبًا لدرجة كبيرة على كليهما. ويبقى دور الوسطاء مهمًا للغاية في محاولة احتواء الموقف ومنع الانزلاق لحافة الهاوية... فالسقوط سيكون مدويًا، وكثيرون قد ينزلقون فيه رغمًا عن إرادتهم.