اغتيالات الحكام.. اتجاهات جديدة للتهديدات الإرهابية في أوروبا
خلال الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2024 تعرض المرشح وقتها "ترامب" لحادثي إطلاق النار، الأولي في يوليو حيث نجحت تلك العملية جزئيا في إصابته بخدوش بسيطة في الأذن فيما فشلت الحادثة الثانية، حيث تم التعامل مع الجاني والقبض عليه قبل أن يتم تنفيذ مخططه الاغتيالي.
محاولة اغتيال ترامب في عام 2024 سلطت الأضواء من جديد على محاولات الاغتيال العالمية والتي كانت لها كبير الأثر في السياسة الدولية مثل حادث اغتيال ولي عهد النمسا والمجر في يونيو 1914 على يد شاب صربي متطرف أدت تداعياتها في النهاية إلى احتراب الأمم الأوروبية في حرب عظمى راح ضحيتها الملايين من البشر ولعبت دورا كبيرا في تشكيل المجتمع الدولي فيما بعد الحرب العالمية الأولي حيث ظهرت قوى جديدة على الساحة الدولية مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وكانت بداية النهاية لأفول القوى الاستعمارية العظمي مثل بريطانيا وفرنسا.
محاولة اغتيال ترامب لم تكن الأولي من نوعها في العصر الحديث وتحديدا السنوات العشر الماضية رصد مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت بنيويورك العشرات من محاولات الاغتيال التي تعرض لها مسئولون غربيون خلال السنوات العشر الماضية، ففي دراسة أعدها توماس رينارد منشورة على موقع مركز مكافحة الإرهاب The Combating Terrorism Center أشار أن عمليات اغتيال الساسة باتت ظاهرة سياسية تطارد العديد من المسئوليين الغربيين وأنه من المحتمل خلال الفترة المقبلة أن تنتشر تلك الظاهرة بنمط أوسع وأكثر عنفا، وأننا على أعتاب حقبة سياسية من العنف المتطرف في أوروبا وأمريكا وذلك بسبب تصاعد موجات اليمين المتطرف والذي يعد الاغتيال السياسي أحد أدواتها في عملية التغيير السياسي في الأوساط الغربية.
محاولات اغتيال سابقة
خلال السنوات الماضية كما أوضح توماس رينارد أن العديد من محاولات الاغتيال وقعت إلا أن أغلبها صابها الفشل الذريع كمحاولات اغتيال ترامب نتيجة كونها نابعة من دوافع سياسية شخصية وغير مرتب بشكل جيد لها ومن أبرز تلك محاولات الاغتيال:
- محاولة اغتيال رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر في 9 أكتوبر 2025 حيث تم إلقاء القبض على ثلاثة أخاص بالقرب من مدينة أنتويرب بتهمة التخطيط لهجوم إرهابي شبيه بالهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم داعش في أوروبا، حيث استخدم المتورطون قنابل بدائية الصنع محمولة على طائرات مسيرة.
- محاولة اغتيال أعضاء مجلس النواب الأمريكي في ولاية منيسوتا الأمريكية: في يونيو 2024 تمت محاولة استهداف أعضاء مجلس النواب الأمريكي عن ولاية منيسوتا علي يد متطرف مسيحي معارض لقوانين الإجهاض.
- محاولة اغتيال رئيس وزراء سلوفاكيا: في مايو 2024 تعرض رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو لمحاولة اغتيال مما أدي إلى إصابته بإصابات بالغة وتم إدانة مرتكبي الجريمة في أكتوبر 2025 بالإرهاب.
- اغتيال عضو البرلمان البريطاني ديفيد أميس: في أكتوبر 2021 تعرض أميس للطعن حتي الموت علي يد متطرف منتسب إلي تنظيم داعش في أوروبا.
- اغتيال حاكم إقليمي ألماني: تعرض والتر لوبكه حاكم مقاطعة كاسل بولاية هيسن بغرب ألمانيا لعملية اغتيال بالرصاص مما أدي إلي وفاته في يونيو 2019 على يد شخص متطرف يميني معارض لسياسة الهجرة التي تبناها لوبكه، لكن المتهم لم يوجه له تهمة الإرهاب..
- محاولة اغتيال تيريزا ماي: تعرضت رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق تيريزا ماي لمحاولة اغتيال في نوفمبر 2017 لمحاولة اغتيال دبرها متطرف منتمي إلي تنظيم داعش، ووقتها نجحت القوي الأمنية في القبض على الجاني وحُوكم بالإرهاب وُسجن بالمؤبد.
عودة الفوضويين
يوضح توماس رينارد أن ظاهرة العنف والإرهاب المرتبطة باغتيال المسئوليين ليست بغريبة عن أوروبا فالجماعات السياسية عادة ما تلجأ إلي حيل الاغتيال باعتباره أقصر الطرق لتحقيق أهدافها أو وقف السياسات المناوئة لتلك الجماعات، فمصطلح الإرهاب هو مصطلح أوروبي بامتياز وظهرا هذا المصطلح في الفترة التي أعقبت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر والتي أدت في النهاية إلي اغتيال الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت.
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عرفت أوروبا ظاهرة الفوضويين حيث قاموا باغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني عام 1881 والرئيس الفرنسي سادي كارنو 1894 ورئيس الوزراء الأسباني كانوفاس ديل كاستيلو عام 1897 والإمبراطورة النمساوية إليزابيث عام 1898، والملك الإيطالي أومبرتو الأول عام 1900 والرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي عام 1901، كما جرت محاولة اغتيال الملك البلجيكي ليوبولد فيل الثاني، وبلغت أقصى جرائم الفوضويين باغتيال ولي عهد النمسا الأرشيديوق فرنسيس فريناند في سرابيفو في يونيو 1914.
مشاكل الإدراج
يقع المشرعون في أوروبا حاليا في أزمة خاصة تسمى مشكلة الإدراج، فأغلب القضايا المتعلقة بالعنف السياسي من قبل اليمين المتطرف والفوضويين الأوروبين يتم إدراجها ضمن جرائم التطرف العنيف وليس جرائم الإرهاب لكي يتم تمييز تلك الجرائم عن الجرائم التي يرتكبها المنتسبون إلي التيارات الإسلامية.
فأغلب المتورطين في جرائم الاغتيال الحديثة المشار إليها سابقا لم يتم توصيفهم بالإرهابيين وإن تم توصيفه يتم اسقاط تهم الإرهاب عنهم في وقت لاحق الأمر الذي يسمح بوجود حيل قانونية يتم استغلالها في تبرير العمليات الإرهابية التي يرتكبونها.
ساهمت عملية عدم إدراج تلك الجرائم ضمن قوائم الإرهاب في إيجاد صعوبة في حصر الأنشطة الإرهابية التي استهدفت المسئوليين الغربيين خلال السنوات الماضية فالعديد من العمليات تمت إحباطها في مراحلها المبكرة الأمر الذي منع تسربها إلي وسائل الإعلام.
نتائج الدراسة
خلصت نتائج الدراسة التي أعدها توماس رينارد إلي وجود 36 هجوما ذو دوافع أيدولوجية ضد مسوؤليين منتخبين في أوروبا خلال الفترة من عام 2015 وحتي عام 2025 منهم 19 هجوم مكتمل الأركان و17 مؤامرة تم إحباطها، كما تم تصنيف 15 هجوم منهم على أنه حادث إرهابي و 17 حادث تطرف وأربع حالات غير واضحة.
ومن اللافت للنظر أن هنا من خلال استقراء بيانات الدراسة أن وتيرة الهجمات ضد المسوؤليين المنتخبين في الدول الغربية ليست في زيادة خلال الوقت الراهن إذ شهدت تلك الهجمات ذروتها خلال الفترة من 2015 وإلي عام 2019 حيث موجات الهجرة المتزايدة في ذلك الوقت من سوريا والعراق حيث تم تسجيل 23 حادث في ذلك الوقت إلا أن موجة الهجمات انخفضت في الفترة من عام 2020 وحتي عام 2025 حيث تم تسجيل 13 حادث ويرجع ذلك إلي سببين أولهما تراجع موجات الهجرة وحالة الإغلاق الكلي التي شهدتها الدول خلال ذروة جائحة كورونا.
وختاما.. رغم تراجع ظاهرة الإرهاب اليميني في أوروبا في الفترة الأخيرة نسبيا إلا أنه مرشح للصعود خلال الفترة المقبلة في ظل تزايد النعرات اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة، ففي المرحلة السابقة كانت الهجمات فردية وغير منسقة والمنفذون لتلك الهجمات غير مدربين أو مجهزين، إلا أنه من المحتمل أن تتزايد وتيرة العنف والإرهاب اليميني خلال الفترة المقبلة خاصة مع تصاعد شعبية الأحزاب اليمينة في أوروبا.نه ف