رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تغيرت عبر العصور مساحة المعرفة، وتعمقت العلوم وتوسعت، فأصبح الطفل الصغير يعرف أكثر مما كان يعرف الرجل الناضج منذ مئات السنين.. وأصبح لهذا الطفل مداخل للتكنولوجيا واستخدامات للعقل الإنساني أكثر من آبائه. أصبحت الدنيا غير الدنيا، وما زلنا للأسف في خضم معارك كانت منطقية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبالقطع ليس مكانها القرن الواحد والعشرين.

هل هناك تناقض بين استخدام العقل، واتساع الفكر وزيادة المعرفة، بين الإيمان بالله ورسله.. في فهمي لا.
وجزء كبير من إيماني نابع من استخدام عقلي، وبحثي في المراجع، واستنباط المعاني بمرجعية معرفتي بالعلوم والفلك والطب وخبرتي في الحياة واستماعي واستمتاعي برأي الآخرين المختلف عن آرائي، والذي يحفزني للبحث عن الحقيقة.

تقول خبرتي إن الكثيرين يتعاركون بدون تعريف لمعاني كلمات يختلفون حولها، ولو اتفقوا على التعريف ما كان هناك سببًا للمعارك.. التنوير واحد من هذه الكلمات، التي استنفرت تلاميذي في جمعية الحالمون بالغد لسؤالي، فدار بيننا الحوار التالي الذي يدل على سعة أفقهم، ورغبة الشباب في المعرفة، وإيمانهم بالعلم طريقًا ووسيلة لمعرفة الكون وخالقه

قال الشاب المثقف: ماذا تقصد بكلمة التنوير يا دكتور؟ وما علاقتها بالإصلاح والنهضة؟
قلت:
التنوير هو مصطلح يعبر عن حركة فكرية وثقافية وفلسفية ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، تدافع عن العقلانية والمنطق، وتنادي بإحكام قوة العقل كوسيلة لتأسيس نظام شرعي للأخلاق والمعرفة.

وقد هيمن المنطق على عالم الأفكار في القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر. وانبثق من هذا حركة أوروبية فكرية علمية، معروفة باسم حركة النهضة الإنسانية. ويعتبر البعض كتاب الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية الذي ألفه (نيوتن عام 1687) أول الأعمال التنويرية الرئيسية. ولقد نشر الفلاسفة والعلماء في تلك الفترة أفكارهم على نطاق واسع، من خلال إجراء اللقاءات العلمية في الأكاديميات، والمحافل والصالونات الأدبية والمقاهي، ومن خلال الكتب المطبوعة والصحف والمنشورات. ولقد قوضت أفكار عصر التنوير السلطة الملكية الديكتاتورية وسلطة الكنيسة، ومهدت الطريق أمام الثورات السياسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتنتسب العديد من مجموعات الحركات الفكرية في القرن التاسع عشر، بما في ذلك الليبرالية، والحركة الكلاسيكية الحديثة بأصولها الفكرية إلى عصر التنوير.

يشتمل التنوير على مجموعة من الأفكار التي تركز على:

 

 ١- سيادة العقل، باعتباره مصدرًا أساسيًا للمعرفة

 ٢- المثل العليا كالحرية والرقي والتسامح والإخاء

٣- الحكم الدستوري، وفصل مؤسسات الدين عن الإدارة السياسية للدولة. 

٤- الحرية الفردية

٥- والتسامح الديني

٦- اتباع المنهج العلمي، فضلًا عن التشكيك بالعقائد المتوارثة بلا مرجعية، وهو الموقف الذي سلط عليه الفيلسوف (إيمانويل كانط) الضوء، في مقالته الرائعة "تجرأ على المعرفة" قائلًا إن حماية الإنسان وتعليمه تكمن في أن يصبح ناضجًا، وقادرًا على الاعتماد على نفسه، وأن يستخدم عقله للتحرر من المعتقدات الغريزية في الحقائق المعطاة، سواء تلك الغرائز الفطرية التي تشكلت في ميدان المعرفة، أو تلك المستوحاة من العادات، وهذه هي وسيلته الوحيدة للحداثة والترقي.

قال الشاب: وماذا في استخدام العلم والعقل والمنطق من ضرر؟! وما هي القيود التي تعيق التنوير بهذا المعنى؟
قلت: القيود كثيرة، وأهمها راحة الإنسان لبقاء الأمر كما هو عليه. حيث إن التغيير يستلزم جهدًا، وتنازلات مشتركة وانتقالًا من زمن إلى زمن جديد تتغير فيه المسؤوليات، وتتعدد فيه التوجهات، وطبيعة البشر أنهم أعداء ما جهلوا. يضاف إلى ذلك أنه إذا استتب الحكم لطائفة سياسية أو دينية، فلماذا يعرضوا أنفسهم لهزات قد تسلبهم ملكًا أو تحكمًا في الشعوب.

ولكن هذه مسؤوليتنا أمام المجتمع الذي نعيش فيه، وهي مهمة تربوية للتحرر من الجهل والظلامية، ومن طغيان النظم الديكتاتورية المطلقة، إلى حرية ينظمها القانون، وعقل يتسع لقبول الاختلاف على تنوع مسمياته بل واحترامه.
إن الطبيعة قد وهبت كل إنسان قدرة غريزية على الفهم، مما يجعله مساويًا للجميع ومع الآخرين، بشرط أن يتعلم ويتم تحريره من فساد الخرافات والجهل، والإنسان المتحرر يستخدم عقله بشكل صحيح وتلقائي، حيث القوانين يجب أن تكون غير مستبدة وتستند إلى الحقوق الطبيعية.

وقالت زميلته: وإيه اللي يزعل في ذلك يا دكتور ولماذا هذه المعركة بين دعاة التنوير ورجال الدين ومن هم رواد أفكار التنوير في هذا العصر؟

قلت: لا ضرر ولا يجب أن يكون هناك اختلاف.. فالمسألة كانت في عصور لم تكن المعرفة متاحة كما هي اليوم. لقد كان للثورة العلمية التي سبقت عصر التنوير تأثيرات كبيرة على فلاسفته ومفكريه، وقد حاول بعض الحكام الأوروبيين تطبيق أفكار التنوير على التسامح الديني والسياسي، وهو ما أصبح يعرف فيما بعد باسم الحكم المطلق المستنير، ونسميه في الثقافة العربية الديكتاتورية العادلة. وارتبط العديد من الشخصيات السياسية والفكرية الرئيسية في الثورة الأمريكية نفسها، بشكل وثيق مع هذه الحركة وانعكس ذلك على صياغة دستور الولايات المتحدة الأمريكية.

قال الشاب: وماذا كان أثر العداء بين الكهنة ورجال الكنيسة وأفكار التنوير التي تبدو لنا عادية اليوم؟
قلت: لقد أفسدوا بموقفهم هذا حركة التاريخ المعاصر، فلا هم انتصروا لدينهم، ولا حققوا النصر على عدوهم، بل كانوا بموقفهم هذا بمثابة الباب الطبيعي الذي فتح على مصراعيه، لدعاة الإلحاد والثورة على الكنيسة والدين معًا، حيث صوروا الموقف على أنه صراع بين الدين والعلم، وليس بين رجال الكنيسة والعلماء، بين العقل والخرافة، بين النور والظلام، بين التقدم والتخلف، وكان مفهوم التنوير يعني التحصن بمنطق العلم والعقلانية، ضد هذا الدين ورجاله الذين يمثلون الجهل والخرافة، فكان لابد أن ينتصر العلم في مواجهة الجهل، وينتصر العقل في مواجهة الخرافة، والتقدم في مواجهة التخلف.

وكان مصطلح التنوير هو المعبر عن نتيجة هذه المعركة، التي حسمها التاريخ والواقع لصالح العلم والعقل والنور، ضد الكنيسة وآرائها، ولقد تم بلورة المعركة كلها على أنها صراع بين الدين بمعناه العام، وبين كل معاني التنوير التي هي العقلانية والتقدم.

قال الشاب الذكي: ولكن هذا لا يجب أن ينتقل إلينا الآن؟!
قلت: للأسف انتقلت المعركة بكل ملابساتها وظروفها إلى عالمنا العربي، دون أن يفطن رجال الدين الإسلامي إلى أن الإسلام ليس له كهنة، وأن المؤسسات الدينية لا تتحكم ولا تحكم. كما أن دعاة التنوير في عالمنا العربي، لم يفطنوا إلى أن الإسلام ليس هو الكنيسة، ولا عالمنا العربي هو أوروبا، ولا الحضارة الإسلامية هي الحضارة الأوروبية في عصورها المظلمة. فليس الدين الإسلامي الذي نعرفه رافضًا للعلم، ولا محاربًا للعقل.

 

 ولكن للأسف أخذ الطرفان، رجال الدين ودعاة التنوير، يصورون المعركة في بلادنا على أنها صراع بين الإسلام والعلم، بين الدين والعقل، وتمسك هؤلاء بالماضي وأقوال السلف، ودفعوا دعاة التنوير إلى حائط الإلحاد والكفر.

وليس بالغريب أن بعض دعاة التنوير عندنا أخذوا بنفس المبدأ، قد يكونوا قد أخطأوا نفس الخطأ، فأعلن بعضهم الحرب على الإسلام ورجاله، لكي يعلنوا عن أنفسهم أنهم تنويريون ودعاة للفكر الحر. وكما أعلن العلماء في الغرب أن الدين الذي تمثله الكنيسة هو مجرد خرافة، ورجاله هم رموز للجهل واستغلال الدين، واستندوا في قولهم بمحاكم التفتيش، بالمثل أخذ دعاة التنوير في بلادنا يلصقون نفس التهم بالإسلام ورجاله، ولو أنصف هؤلاء وهؤلاء أنفسهم لجعلوا العلم والمعرفة وانفتاح العقل دينًا وفريضة، ولعل من أهم المهام صعوبة، هو نقل هذا الصراع القائم إلى حلبة جديدة من الحداثة واستخدام العقل والمنطق بلا تكرار لمعارك فكرية حدثت منذ مئات السنين في أوروبا، فلا الزمن هو الزمن، ولا نطاق المعرفة هو ما كان، ولا للدين الإسلامي كهنوت ولا رجاله يحكمون ويتحكمون.

وللحديث بقية.........

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء