رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سياسة جافة الهوية.. إلى أين تتجه الأمور في القرن الأفريقي

أديس أبابا وأسمرة
أديس أبابا وأسمرة

ما زالت الأمور متوترة في منطقة القرن الأفريقي بين إثيوبيا وإريتريا، حيث قامت كل من أديس أبابا وأسمرة بنشر قوات ومعدات عسكرية على الحدود المشتركة بين الدولتين، وهو ما قد يزيد خطورة الأمور في منطقة القرن الأفريقي، كما تشير العديد من الروايات الإثيوبية إلي تقدم القوات الإريترية إلي داخل إقليم التيجراي.

جدير بالذكر أن القوات الإريترية سبق لها أن تدخلت في إقليم التيجراي في عام 2021 بالتنسيق مع القوات الفيدرالية الإثيوبية مرتكبة العديد من المجازر والمآسي الإنسانية التي راح ضحيتها ما يقارب 600 ألف شخص، إلا أن ثمة خلاف دب بين أديس أبابا وأسمرة على خلفية اتجاه الأولي لتوقيع اتفاقية بريتوريا لوقف الحرب في إقليم التيجراي دون التنسيق مع أسمرة، ويعد الدخول الإريتري هذه المرة في شمال التيجراي مختلف تماما عما كان في المرة السابقة فاليوم تبدلت التحالفات فالقوات الإريترية باتت تنسق مع ألد خصومها وهي جبهة تحرير التيجراي ضد قوات الجيش الإثيوبي.

تأتي الحشود العسكرية المتبادلة بعد أسابيع من انتهاء التوتر الأمني الذي اندلع في إقليم التيجراي وشهد الإقليم تراشقا بين القوات الإثيوبية وقوات جبهة تحرير التيجراي الأمر الذي أثار احتمالية تجدد الحرب مرة أخري في الإقليم وانهيار اتفاقية بريتوريا عام 2022.

وتأتي الحشود العسكرية تزامنا مع تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد المتكررة حول أحقية بلاده بالوصول إلي منفذ بحري على الأحمر مدعيا أن بلاده تعرضت للظلم منذ ثلاثة عقود حين وافقت على منح استقلال إريتريا وحرمان إثيوبيا من منفذ بحري وأتت تلك التصريحات خلال استقباله للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تاريخ معقد

ارتبط التاريخ المشترك بين البلدين بالتعقيد الشديد، فإريتريا كانت جزء من إثيوبيا، حيث تم وضعها تحت الوصاية الإثيوبية إلا أنه في عام 1961 أعلنت إثيوبيا ضم إقليم إريتريا مما أدي إلي تشكل جبهة تحرير إريتريا ودخلت في كفاح مسلح ضد إثيوبيا حتي نالت استقلالها في عام 1993.

بعد الاستقلال بخمس سنوات دخلت البلدين في حرب دامية عام 1998 استمرت عامين بسبب بعض الخلافات الحدودية حول إقليم بادمي حيث توغلت القوات الإريترية في الإقليم، وانتهت الحرب بالتوقيع على اتفاقية الجزائر في عام 2000 وبعد تلك الاتفاقية دخلت البلدين في حالة عزلة دامت أكثر من عقدين من الزمن.

إلا أن مجىء أبي أحمد إلى سدة الحكم في إثيوبيا في عام 2018 ألقى بالحجر في المياه الراكدة في العلاقات بين البلدين، حيث تمت عودة العلاقات بين البلدين، وفي سبتمبر 2018 تم التوقيع على اتفاقية سلاد مبين الطرفين  بعد سلسلة مفاوضات بين البلدين في المملكة العربية السعودية.

وبلغ التنسيق بين البلدين ذروته في أعقاب اندلاع الحرب التيجرانية في عام 2020 حيث أيد الجيش الإريتري تحركات الجيش الإثيوبي في حرب التيجراي وتدخل الجيش الإريتري في عام 2021 في الحرب إلا أنه برزت التوترات بين الجانبين على إثر الخلاف حول مخرجات اتفاق بريتوريا عام 2022، ومع قدوم عام 2026 شهدت العلاقات بين البلدين توترا شديدا أشبه بحالة التوتر التي شهدتها البلدين في عام 1998.

محاولة للفهم

لفهم أطر الصراع الحالي بين إريتريا وإثيوبيا ينبغي العودة إلي عقود ماضية حيث فترة حكم الدرك في أديس أبابا بقيادة هيلامريام منجستو حيث تحولت البلاد إلي فسيفساء إثنية تطالب كل منهم بالاستقلال ففي منطقة التيجراي تشكلت جبهة تحرير التيجراي وفي إريتريا تشكلت جبهة تحرير إريتريا وفي المنطقة الصومالية تشكلت جبهة لتحرير الأوجادين وكذلك في منطقة الأورومو.

لعبت شخصية زعيم جبهة تحرير التيجراي ميليس زيناوي في ذلك الوقت دورا كبيرا في توحيد جهود كافة الجبهات الأخرى في إطار النضال المشترك بين تلك الجبهات وبالفعل في مطلع التسعينيات تمت الإطاحة بحكم منجستو في إثيوبيا، وتمكن ميليس زيناوي وقتها من تجميع الجبهات المختلفة في إطار حزب واحد وهو الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية إلا أن جبهة تحرير إريتريا رفضت الاندماج في الكيان الحزبي الوليد وآثرت الاستقلال بإقليم إريتريا وهو ما تحقق في عام 1993 وفي إطار تهدئة الأوضاع في الداخل الإثيوبي وافقت زيناوي عللا استقلال إريتريا على وضعها الجغرافي الحالي.

خلفت الترتيبات التي جرت في مطلع التسعينيات العديد من الإشكاليات التاريخية العالقة بين البلدين والمحفزة على اندلاع الأزمات بين الطرفين خلال الفترة المقبلة وهي كالتالي:

  • تحول إثيوبيا إلي دولة حبيسة حيث تم حرمان أديس أبابا من أي منفذ بحري وبالتالي تراجعت التجارة الخارجية لدولة إثيوبيا مما ساهم في تزايد أثر الأزمات الاقتصادية في البلاد واعتمادها بشكل كبير على دول الجوار فيما يخص تجارتها الخارجية.
  • اقتطاع أقاليم إريتريا لصالح إثيوبيا حيث تم اقتطاع إقليم بادمي الذي تطالب به إريتريا لصالح إثيوبيا مما أدي إلي اشتعال الحرب بين الجانبين في عام 1998 وحاليا تحاول أسمرة التوغل في شمال إثيوبيا للحصول على الأقاليم التي فقدت منها عشية الاستقلال.
  • نتيجة للعنصرين السابقين حرصت كل دول على دعم الحركات المتمردة في كل دولة أخري فمثلا دعمت إثيوبيا جماعة العفر المتمردة في إريتريا وفي المقابل دعمت إريتريا الحركات الأورومية المتمردة وأخيرا باتت تدعم جبهة تحرير التيجراي.

وأخيرا يمكن القول أن خطر عودة الحرب قائم، والوقت ينفد أمام الجهود الدبلوماسية والسياسية لتهدئة التوترات. وفي رسالتها إلى إريتريا، أكدت إثيوبيا انفتاحها على الحوار. كما أبدت أديس أبابا استعدادها للدخول في مفاوضات أوسع، تشمل الشؤون البحرية وإمكانية الوصول إلى البحر عبر ميناء عصب.

وبإمكان الدبلوماسية الآن أن تمنع اندلاع الصراع. فبعد ثلاث سنوات فقط من حرب تيغراي، ومع اقتراب حرب السودان من عامها الرابع، لا يُمكن للمنطقة تحمّل حرب أخرى. ويحتاج الاتحاد الأفريقي، الذي يقع مقره في أديس أبابا، بشكل خاص إلى دعوة البلدين إلى طاولة المفاوضات قبل فوات الأوان.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء