اتجاه نحو التنظيم لا المنع.. رفض حكومي وبرلماني لحظر هواتف الأطفال
في وقتٍ تتصاعد فيه الدعوات لفرض قيود مشددة على استخدام الأطفال للهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي، برز اتجاه داخل الحكومة والبرلمان يرفض منطق الحظر الكامل، ويدفع نحو مقاربة أكثر توازنًا تقوم على التنظيم والتوعية بدلًا من المنع.
وخلال جلسة استماع بلجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، لمناقشة إعداد رؤية لمشروع قانون ينظم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، اتفقت أصوات وزارية وبرلمانية على أن التعامل مع الأجيال الرقمية لا يمكن أن يتم بأدوات تقليدية، معتبرين أن الحظر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويخلق فجوة أوسع بين المؤسسات والأطفال.
وأعلنت وزيرة الثقافة جيهان زكي تبني الوزارة استراتيجية قائمة على «الفكر والحوار» بدلًا من المنع في التعامل مع الأجيال الجديدة (ألفا وZ) واستخدامهم للتكنولوجيا، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في فهم طبيعة العصر الرقمي واحتواء هذه الفئات.
إحياء 600 قصر ثقافة وبناء الوعي
أكدت الوزيرة أن الوزارة تستهدف استعادة الدور الريادي لنحو 600 قصر ثقافة على مستوى الجمهورية، ليكونوا منارات حقيقية لبناء الوعي، مشددة على أن «مواجهة الفكر لا تكون إلا بالفكر، ومجابهة الكلمة تكون بالكلمة والعلم».
وكشفت عن خطة للتوسع في العمل التوعوي عبر تنسيق مشترك مع وزارة الشباب والرياضة المصرية للاستفادة من 4 آلاف مركز شباب، والوصول المباشر للأطفال والشباب في المحافظات، ومد جسور تواصل فعالة مع الفئات العمرية من 20 إلى 24 عامًا وما دون.
وحذرت من أن قرارات المنع قد تأتي بنتائج عكسية، مؤكدة أن المؤسسات الثقافية يجب أن تظل في قلب العمل المجتمعي.
تنظيم الاستخدام لا حظره
من جانبها، قالت النائبة ثريا البدري، رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، إن منع الطفل من استخدام الهاتف المحمول أمر غير عملي، في ظل حاجة الأسر للاطمئنان على أبنائها.
واقترحت تخصيص مركز داخل كل مدرسة لتسليم الهواتف مع بداية اليوم الدراسي واستلامها بعد انتهائه، في إطار تنظيم الاستخدام بدلًا من حظره الكامل.
دور القيم والدراسات البحثية
أشارت البدري إلى أهمية دور دور العبادة في بناء القيم، مؤكدة أن المجتمع المصري بطبيعته وجداني وأن الدين عنصر أساسي في تكوينه، ما يستدعي تعزيز هذا الدور.
كما لفتت إلى ضرورة تطوير مواد تركز على المعاملات والأخلاق في الحياة اليومية، موضحة أن كثيرًا من الحملات التوعوية تفشل لأنها تُبنى من منظور القائمين عليها لا الجمهور المستهدف، داعية إلى تفعيل الدراسات البحثية وتطبيق نتائجها عمليًا.
فروق مجتمعية وإعلام الطفل
وأكدت أهمية مراعاة الفروق بين الحضر والريف، واختلاف المستويات التعليمية ونسب الأمية عند إعداد التشريعات.
كما أشارت إلى غياب قناة متخصصة للطفل، والحاجة إلى رفع مستوى الوعي في الإعلام الموجه للأطفال، لافتة إلى دراسات تشير إلى أن بعض الأعمال الكرتونية مثل Tom and Jerry قد تسهم في تعزيز السلوك العنيف لدى الأطفال.
وشددت على ضرورة تحقيق توازن بين التطوير التكنولوجي والحفاظ على القيم المجتمعية، مؤكدة أن حماية الأطفال تمثل في جوهرها حماية لهوية المجتمع ومستقبله.
وكان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان طالب بإصدار قانون يحظر استخدام الهاتف المحمول داخل المدارس، مؤكدًا أن مصر ليست بمعزل عن الاتجاهات العالمية في تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.
استشهاد بالتجارب الدولية
أشار الوزير إلى تجربة فرنسا التي أقرت قانونًا يحظر استخدام الهواتف المحمولة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، قبل أن يمتد الحظر ليشمل المرحلة الثانوية، لافتًا إلى أن الحظر مطبق في نحو 60 دولة حول العالم، بينها أستراليا وألمانيا والمملكة المتحدة.
وطالب رشوان بتطبيق حظر مماثل في المدارس المصرية، ضمن إطار تشريعي واضح يوازن بين الحماية والاحتياجات التعليمية.
تكامل حكومي وحملات توعوية
أكد رشوان أن إعداد المشروع يتطلب تكاملًا بين مختلف الوزارات والمجالس المتخصصة، مشيرًا إلى أن أكثر من ثلث الحكومة مهتم بالملف.
واقترح إطلاق حملات توعوية منظمة تحت شعار موحد، تتولى كل وزارة إدارتها وفق اختصاصها، إلى جانب حملات موجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف أولياء الأمور والمسؤولين عن حماية الأطفال.
جدل العقوبات والمسؤولية
ولفت الوزير إلى أن العقوبات المالية قد لا تكون رادعة للشركات الكبرى، بينما تمثل العقوبات الجنائية أداة أكثر تأثيرًا، مع طرح تساؤلات إجرائية بشأن مدى مساءلة الطفل نفسه حال المخالفة، مؤكدًا أن الأمر يحتاج إلى معالجة قانونية دقيقة.
وتابع رشوان أن القضية تحظى بقبول مجتمعي واسع، في ظل تنامي المخاوف من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال.