عبر حساب أو إن صح التعبير عبر المنصة الوطنية للصديقة الأديبة الدكتورة شيرين هلال على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" تابعت منشور أشبه ما يكون بالصرخة للكاتب والمؤلف الكبير محمد جلال عبد القوي. ولمن لا يعرف محمد جلال عبد القوي فهو أحد العلامات البارزة في تاريخ الدراما المصرية والعربية خاصة الرمضانية منها. ويكفي ذكر الأعمال الأيقونية مثل: المال والبنون، الليل وآخره، سوق العصر، وعلى باب مصر. وغيرها من الأعمال الدرامية التي لا تزال تحظى بمشاهدات مرتفعة كلما عُرضت حتى تاريخه.
الكاتب الكبير في منشوره قال: "أعرض العملين الآن.. ربما المسلسل الأول يتناول مثلًا أعلي للشباب والأمهات وسيرة ذاتية لأبو الطب المصري وزير الصحة الأسبق الدكتور علي باشا إبراهيم أول مصري يتولى عمادة كلية طب القصر العيني (1929-1940). ومؤسس نقابة الأطباء المصرية.
والعمل الدرامي الثاني يتناول قصة البطل المصري الذي اجبر خصمه الإسرائيلي علي أداء التحية له بعد استشهاده؛ البطل سيد زكريا خليل جندي الصاعقة الذى كان مع زملائه في مهمة خلف خطوط العدو مع بداية حرب أكتوبر العظيمة، وظل يقاتل بعد استشهاد رفاقه متصدي لجنود العدو حتي لا يصلوا مددًا للقوات الإسرائيلية، قضي علي فصيلة العدو المنقولة جوًا وحده ليلًا اعتقد العدو انهم يقاتلون فصيلة كاملة بعد أن انتهي سيد وقضي عليهم حمل سلاحه مستعدًا للعودة فاجأه أخر جنودهم وكان مختفيًا، أصابه من الخلف ثم اكتشف إنه جندي واحد من قضي علي القوة كلها اعترف هذا الجندي بأنه أدي له التحية العسكرية تقديرا لبطولته".
وما سبق نقلا من منشور الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي، الذي ينتقل لواحدة من أهم قضايا الدراما المصرية في السنوات الأخيرة، وهي غياب القدوة النافعة من الأعمال الدرامية، يستكمل عبد القوي منشوره كاتبًا وشارحًا ومتعجبًا، وعنه أنقل " أيهما أحق أن نقدمه للناس كقدوة في مسلسل... مبروكة خفاجي وولدها العبقري علي باشا ابراهيم.. أم تاجرة المخدرات...مناعة !!!!!!! ايهام أحق أن نقدمه للناس قدوة ومثلا أعلي سيد زكريا البطل أم مناعة وما على الشاشة من بلطجية يعلمون أبناءنا واحفادنا هذا السلوك!!!!!! أيهما أحق ان ننفق علية ونبذل الجهد لنقدمه للناس صاحب نوبل...د. زويل!!!! صاحب نوبل نجيب محفوظ.!!!!!!.. صاحب نوبل، البطل الشهيد. بطل أكتوبر أنور السادات د. السير مجدي يعقوب.!!!!!!!. البطل الشهيد عبد المنعم رياض..!!!!!!!!. البطل الشهيد ابراهيم الرفاعي..!!!!!!! رجل الاقتصاد...طلعت حرب...!!!!!! القائمة تطول يا سادة لمن أراد الإنصاف والحفاظ على ثروة هذ الوطن. ثروتنا البشرية الشباب ابناؤنا واحفادنا خاصة والقادم لا يؤتمن وسط عالم كريه لا إنساني لا يعترف الا بالقوة التي أساسها العلم والانتماء".
بالتوازي مع بداية موسم الدراما الرمضاني ومع منشور الكاتب الكبير شهدت مصر مصادفة عدد من حوادث العنف المجتمعي امتدت من كمبوندات المجتمعات الجديدة مرورا بقرى الريف المصري وانتهاء بالمناطق الشعبية، وصول العنف لكل الطبقات الاجتماعية يعني أننا أمام أزمة قيم عابرة للطبقات، ويعني أيضا أنها ظاهرة آخذة في الانتشار رغم الجهود الكثيفة الحثيثة لوزارة الداخلية على مدار الساعة في مواجهة كل ما هو خارج عن القانون، رقميًا مصر تقدّمت بشكل كبير في مؤشرات الجريمة مثل مؤشر الجريمة العنيفة الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP)، حيث ارتفع ترتيبنا من المركز 122 عالميًا في 2014 إلى المركز 29 عالميًا في 2025، وهو تحسّن كبير يدل على تراجع مستويات العنف والجريمة العنيفة بالمقارنة مع عشر سنوات سابقة.
وفي مؤشر جرائم القتل لكل 100 ألف نسمة، تقدّمت مصر أيضًا إلى المركز 50 عالميًا في 2025 مقارنة بالمركز 64 في 2014، مما يشير إلى انخفاض نسبة جرائم القتل مقارنة بعوامل كثيرة. أيضا على مستوى مؤشر تصوّر الجريمة (مدى شعور الناس بالأمان عند المشي بمفردهم ليلًا) شهدت مصر تحسنًا كبيرًا: حيث وصلت مصر إلى المركز 32 عالميًا عام 2025 مقارنة بالمركز 143 عام 2014، وهي من أكبر القفزات في هذا المؤشر عالميًا.
لكن المكافحة اللاحقة والمعالجة الأمنية وحدها لن تحل المشكلة، لا سبيل عن المكافحة السابقة للعنف، والبداية هنا بالوعي، والدراما أحد روافد تشكيل الوعي. صحيح أنه قد لا توجد علاقة مباشرة بين الدراما والعنف، لكن الدراما هي أحد محددات البيئة النفسية التي إما ينمو فيها العنف أو ينبذه المجتمع.
القضية لم تعد مجرد "ذوق فني" يلقى رواج، أو أمر يتعلق بحرية الإبداع، بل أصبحت تتعلق بحدود الأمن الثقافي والاجتماعي. فمع تصاعد مشاهد العنف والبلطجة وتجارة المخدرات في بعض الأعمال، وقعنا في فخ "الألفة والاعتياد"، وأخطر ما يفعله التكرار هو تطبيع القبح. حين يشاهد المراهق أو الشاب مشاهد البلطجة واستخدام الأسلحة البيضاء يومياً لمدة 30 يوماً، ويقدم له البلطجي وتاجر المخدرات على أنه بطل مجتمع هنا يتم صناعة "قدوات مشوهة"، ويتولد لديه شعور بأن هذا هو "الواقع الوحيد"، وأن لغة القوة لا القانون هي اللغة السائدة في المجتمع، هنا يبرز توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ضرورة أن تعكس الدراما الهوية المصرية الحقيقية، وألا تُقدَّم الشخصيات الشاذة باعتبارها النموذج السائد أو القدوة الضمنية للأجيال الجديدة.
التوجيه جاء في سياق انتقاد ما عُرض في موسم سابق، والدعوة كانت واضحة: دراما تبني ولا تهدم، تُلهم ولا تُشوّه. هذا التوجيه الرئاسي يمثل "خارطة طريق" أخلاقية وفنية يرى في الفن وقاية، والوقاية الدرامية خير من العلاج الأمني.