يشهد مسار العلاقات التركية-الإثيوبية تحولًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية إلى تأسيس شراكة استراتيجية، تستند إلى حسابات جيواستراتيجية دقيقة ومصالح اقتصادية متبادلة. وقد جسدت زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا في 17 فبراير الجاري هذا التوجه، بوصفها الزيارة الثانية له بعد زيارته الأولى عام 2015، ما يعكس استمرارية الاهتمام التركي بإثيوبيا.
تأتي الزيارة في الذكرى المئوية لافتتاح السفارة التركية في أديس أبابا، في سياق مفعم بمتغيرات يتجاوز بعضها الخطوط الحمراء لحماية المصالح التركية. من أبرزها الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند (ديسمبر 2025)، والذي سبقه اتفاق بين إثيوبيا وصوماليلاند (يناير 2024) يعد إثيوبيا بالوصول إلى البحر، مقابل اعترافها الرسمي بصوماليلاند، ناهيك عن عودة التوتر الحدودي الإثيوبي-الإريتري، ونشر تسريبات حول إنشاء معسكر لقوات "الدعم السريع" السودانية في إقليم "بني شنقول-قمز" الإثيوبي، بالتوازي مع اضطرابات داخلية إثيوبية في إقليمي تجراي وأمهرة.
حل أردوغان ضيفًا على إثيوبيا مستهدفًا تمرير مجموعة من الرسائل أبرزها: رفضه تفكيك الصومال، وتطلعه إلى تجاوز القيمة المتواضعة الراهنة للتجارة التركية-الإثيوبية (أقل من مليار دولار)، وسعيه إلى توظيف إثيوبيا كقاعدة إنتاجية ومنصة إقليمية لنفاذ الصادرات التركية إلى أفريقيا.
إذ تعمل في إثيوبيا حوالي 200 شركة تركية، وتبلغ استثمارات تركيا فيها نحو 6 مليارات دولار حتى نهاية 2025، أغلبها في قطاعات النسيج، والزراعة، والبنية التحتية. كما يُتوقع حدوث تقدم في مشروعات الطاقة (وقعت الدولتان خلال الزيارة اتفاقية لزيادة كفاءة مشروعات الطاقة المتجددة).
في المقابل، تنظر إثيوبيا إلى تركيا كشريك مثالي، يمكنه دعم طموحها نحو فك عقدة الدولة الحبيسة، عبر وساطة ممكنة مع حكومة مقديشو الفيدرالية. كما يمتلك حوافز اقتصادية لا ترتبط بشروط سياسية مجحفة تقوض سيادتها الوطنية، مثلما هو الحال بالنسبة للدول الغربية. كما تمثل الصناعات الدفاعية التركية، لا سيما الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والتدريب العسكري، عنصر جذب مهم لإثيوبيا في سياق سعيها إلى تنويع مصادر التسليح وتحديث قدراتها دون الارتهان لمصدر واحد.
رغم ذلك، تبقى هناك بعض الملفات الحساسة على جدول أعمال العلاقات بين الدولتين، والتي تحرص أنقرة على إدارتها وفق نهج "التموضع الهادئ"، لتضمن تعظيم مصالحها من دون التورط في نزاعات سياسية معقدة مع شركاء آخرين، وهنا يمكن الإشارة إلى أربعة ملفات أساسية.
أول الملفات هو النفاذ الإثيوبي إلى البحر، والذي تعتبره أديس أبابا مصلحة حيوية، فيما ترى تركيا ضرورة تحقيقه بالتوافق مع حكومة مقديشو. وبالتالي يُرجح مواصلة تركيا التوسط بين الطرفين، مثلما فعلت في إعلان أنقرة (ديسمبر 2024)، من دون انحياز إلى أي ترتيبات قد تُفهم باعتبارها اصطفافًا مع هذا الطرف أو ذاك.
ثاني الملفات هو صوماليلاند، إذ تدين أنقرة اعتراف إسرائيل بالإقليم. وبالتالي يُتوقع انخراطها ضمن أي تحرك يستهدف مجابهة تداعيات هذا الاعتراف، وتوجيه رسائل ضمنية إلى أديس أبابا بشأن التكلفة السياسية والأمنية الباهظة للخيارات غير التوافقية.
أما ثالثها، فهو أزمة سد النهضة، فمن المرجح أن تدعو أنقرة إلى تسويتها تفاوضيًا، بشكل يضمن لإثيوبيا تنمية مواردها المائية، مع مراعاة الحقوق المائية لمصر والسودان، تجنبًا لأي تصعيد قد يعصف بمصالحها مع أطراف الأزمة.
وبالنسبة للملف الرابع، فيتصل بشبكة العلاقات الإقليمية لإثيوبيا، خاصة مع إريتريا والسودان، حيث تخشى أنقرة أن تؤدي أي مواجهة مفتوحة إلى تقويض الاستقرار الإقليمي والإضرار باستثماراتها المتنامية. لذلك فهي تميل إلى توظيف أدوات الوساطة الاقتصادية والدبلوماسية للحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف.
خلاصة القول، إن زيارة أردوغان إلى أديس أبابا تعكس طموحه إلى ترسيخ حضور بلاده في القرن الأفريقي عبر شراكة محسوبة مع إثيوبيا. لكن مستقبل هذه العلاقة سيظل رهينًا بقدرتهما على إدارة تفاعلاتهما بمنطق براجماتي متوازن، يراعي تعقيدات الإقليم وتقاطعاته. فإذا ما نجحا في ذلك، فسوف تنتقل علاقاتهما إلى شراكة استراتيجية ذات امتدادات إقليمية رحبة.