رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد التصريحات للسفير الأمريكي لدى  إسرائيل مجرد تعبير عابر عن موقف سياسي عابر، بل كشفت عن تحول خطير في طبيعة الخطاب الدبلوماسي ذاته، حين يغادر مساحات الاتزان المفترضة إلى مناطق أكثر التباسًا، حيث تختلط السياسة بإعادة إنتاج روايات تاريخية مزيفة، في محاولة لإضفاء شرعية مصطنعة على واقع قائم بالقوة، لا بالقانون. تضمنت ادعاءات حول أحقية إسرائيل في أراضٍ عربية، في محاولة لتكريس واقع الاحتلال عبر أدوات الخطاب السياسي، تمهيدًا لإعادة تشكيل الإدراك الدولي تجاه قضية محسومة قانونيًا وأخلاقيًا.

الدبلوماسية، في جوهرها، ليست أداة لتزييف الحقائق، بل وسيلة لتنظيم العلاقات بين الدول وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة، وعندما ينزلق خطاب ممثل رسمي لدولة كبرى إلى تبرير الاحتلال أو إعادة تفسير التاريخ بما يخدم طرفًا بعينه، فإن ذلك لا يمثل فقط انحيازًا سياسيًا، بل يشكل تقويضًا لمنظومة القيم التي تأسست عليها العلاقات الدولية الحديثة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

إن أخطر ما في هذه التصريحات ليس مضمونها المباشر فحسب، بل الرسائل الضمنية التي تحملها، التي تستهدف اختبار ردود الفعل، وقياس مدى قدرة الأطراف العربية على التمسك بثوابتها التاريخية والقانونية، إنها محاولة لإعادة إنتاج خطاب قديم في قالب جديد، خطاب يقوم على فرض الأمر الواقع، ثم البحث عن مبررات سياسية وقانونية لاحقة لتثبيته. غير أن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة راسخة، وهي أن الشرعية الدولية لا تُصنع بالتصريحات، ولا تُفرض عبر المنابر الإعلامية، بل تستند إلى قواعد قانونية واضحة، وإلى حقوق تاريخية لا تسقط بالتقادم.

لقد أثبتت التجارب أن الروايات المصطنعة قد تنجح مؤقتًا في خلق حالة من الضبابية، لكنها تفشل دائمًا في تغيير جوهر الحقيقة. 

فالأراضي العربية التي تعرضت للاحتلال تظل، وفقًا لكل القرارات الدولية، أراضي محتلة، ولا يمكن لأي خطاب سياسي، مهما بلغ مستوى داعميه، أن يحول الاحتلال إلى حق، أو العدوان إلى شرعية، ومحاولة إعادة تعريف المفاهيم بهذا الشكل تمثل انتكاسة فكرية وأخلاقية، تعيد العالم إلى منطق القوة المجردة، وهو المنطق الذي رفضته الإنسانية بعد أن دفعت ثمنه في صراعات مدمرة.

النظام الدولي يشهد حالة من السيولة وعدم اليقين، وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى استغلال هذه اللحظة لإعادة طرح أفكار كانت في السابق خارج نطاق القبول الدولي، غير أن هذا السلوك يعكس في جوهره إدراكًا عميقًا بأن الحقائق على الأرض، رغم كل محاولات التغيير، لا تزال عصية على الطمس، وأن الرواية العربية المدعومة بالقانون والتاريخ تظل حاضرة وقادرة على الصمود.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور العربي، وفي القلب منه الدور المصري، في الحفاظ على ثوابت القضية والتصدي لمحاولات إعادة صياغة الواقع وفق رؤية أحادية. مصر، التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن أرضها وحقوقها، تدرك جيدًا أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الأرض، وأن الحفاظ على الرواية الحقيقية يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التشويه والتزييف، والتصريحات المنحازة، مهما تكررت، لن تنجح في تغيير حقيقة أن الاحتلال يظل احتلالًا، وأن الحقوق التاريخية والقانونية لا يمكن شطبها بقرار سياسي أو تصريح إعلامي، بل إن مثل هذه التصريحات تسهم، على العكس، في كشف حجم الأزمة التي تعاني منها الرواية التي تحاول فرض نفسها، إذ تلجأ إلى إعادة تفسير التاريخ بدلًا من مواجهة الواقع.

إن اللحظة الراهنة تتطلب وضوحًا عربيًا حاسمًا، ليس فقط في رفض هذه الادعاءات، بل في إعادة التأكيد على الثوابت، وعلى أن المنطقة لا يمكن أن تستقر على أساس الظلم أو التزييف. السلام الحقيقي لا يقوم على إنكار الحقوق، بل على الاعتراف بها، ولا يمكن لأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة أن تنتج استقرارًا دائمًا. 

في النهاية، تبقى الحقيقة أكثر صلابة من أي خطاب، وأكثر قدرة على البقاء من أي محاولة لتزييفها، والتاريخ، الذي شهد سقوط العديد من الروايات المصطنعة، سيظل شاهدًا على أن الحقوق لا تضيع ما دام هناك من يتمسك بها، وأن محاولات إعادة هندسة الوعي لن تنجح في تغيير جوهر الواقع، مهما بلغت كثافتها أو تعددت أدواتها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء