منذ تلك اللحظة التي انبلج فيها فجر الدرعية قبل ثلاثة قرون، والكون يرقب ولادة كيان لم يكن كغيره من الكيانات، بل كان انبعاثاً لروح عربية عتيدة أبى الله إلا أن يجعلها منارة للعالمين، إننا حين نحتفل بيوم التأسيس لا نسرد قصصًا من غبار الماضي، بل نلمس نبضًا حيًا يسري في عروق هذه الأرض، ونستحضر وقفة الإمام محمد بن سعود التي كانت بمثابة الزلزال الذي أعاد ترتيب خارطة العزة، فمن قلب الجزيرة العربية، ومن شموخ نجد وعراقة الحجاز وعنفوان الجنوب وطيبة الأحساء، نُسجت عباءة هذا الوطن بخيوط من كبرياء، وصار الحلم حقيقة تمشي على قدمين، لتمضي الدولة السعودية في رحلتها الكبرى، تتحدى العواصف وتطوي المسافات، مؤمنة بأن قدرها هو الشموخ، وأن غايتها هي العلا، وما نحن اليوم إلا ثمار تلك البذرة الطاهرة التي سُقيت بعرق الأجداد ودماء الأبطال الذين جعلوا من الوحدة عقيدة ومن الوطن عرضًا لا يمس، فالتأسيس لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل كان ولادة لروح صمدت أمام أعاصير الزمن لتثبت أن الحق يبنى بالعدل والشجاعة.
وفي هذا الزمان الذي نفاخر به الدنيا، يقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، شامخًا كطويق، راسخًا كالجبال الرواسي، يمثل الذاكرة الحية لهذا الوطن والحكمة التي تسير بالبلاد نحو مرافئ الأمان، إنه الملك الذي قرأ التاريخ فصار جزءًا عظيمًا من فصوله، والأب الذي احتضن شعبه بحب يفيض عدلًا وحزمًا، سلمان الوفاء الذي جعل من المملكة حصنًا منيعًا لا يجرؤ طامع على دنو حماه، هو القائد الذي تتجلى في ملامحه أصالة التأسيس وعظمة الدولة، يقودنا برؤية الشيخ الشاب، ويحمي مقدراتنا ببصيرة الحاكم الذي لا تغفل عينه عن رفعة دينه ووطنه، فهو المرجعية التاريخية التي ربطت جذورنا بماضينا العريق، وهو الذي جعل من "يوم التأسيس" وساماً على صدر كل سعودي ليعرف العالم أننا دولة ضاربة في عمق التاريخ وليست طارئة على الجغرافيا، ففي عهده لبست المملكة ثوب الهيبة الكبرى، وصارت الكلمة السعودية هي الفصل في المحافل الدولية، متمسكة بهويتها الإسلامية وعروبتها الضاربة في جذور التاريخ.
وعلى يمين الملك المفدى، يبرز ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مهندس الأحلام وصانع المعجزات، الأمير الذي أيقظ فينا روح الطموح وجعلنا نعانق النجوم ونحن وقوف على ترابنا الغالي، إنه ولي العهد الذي لم يكتفِ برسم المستقبل بل نحته بيديه، محولاً الصحراء إلى واحات من الابتكار، والشباب إلى طاقة لا تعرف المستحيل، محمد بن سلمان هو القصيدة التي لم تكتب من قبل، هو العنفوان الذي جعل العالم ينظر إلينا بإعجاب ودهشة، برؤية ثاقبة غيرت وجه الحياة، ونقلت المملكة من حلم التطور إلى واقع الريادة العالمية، إنه القائد الذي لم يرضَ بغير التغيير الجذري سبيلاً، ففتح أبواب العالم على السعودية وفتح أبواب السعودية على العالم، محطماً قيود البيروقراطية ومطلقاً العنان للاقتصاد الرقمي والمدن الذكية كـ "نيوم" و "ذا لاين"، ليكون هو القائد الذي يسبق عصره بخطوات، مؤمناً بأن همة السعوديين كجبل طويق لا تنكسر إلا إذا تساوى بالجبال، فبث فينا يقيناً بأننا أمة لا تقبل إلا بالصدارة، وبأن "رؤية 2030" هي العهد الجديد الذي يربط عراقة التأسيس بآفاق المستقبل اللامحدود.
وفي خضم هذا العصر الذهبي، يتجلى الإبداع في أبهى صوره من خلال بصمات معالي المستشار تركي آل الشيخ، الرجل الذي أطلق شرارة الفرح في كل زاوية من زوايا الوطن، وجعل من اسم المملكة علامة فارقة في عالم الثقافة والترفيه والرياضة، لقد استطاع هذا الرجل المخلص، بقلبه الشغوف وعقله المتقد، أن يبرهن للكون أن السعودية هي أرض المواهب ومنبع الفنون، فحول المستحيل إلى واقع ملموس، وبنى مدناً من البهجة أبهرت القاصي والداني، ولم يكتفِ بالترفيه كمفهوم عابر، بل جعله قوة ناعمة تنقل رسالة السلام والجمال السعودي إلى أبعد نقطة في الأرض، فهو المخطط الذي لا ينام، والمبدع الذي يرى في كل فكرة مشروعاً وطنياً ضخماً، استطاع بحسه الفني وذكائه الإداري أن يجمع العالم في "موسم الرياض" ويجعل بوصلة السياحة العالمية تتجه صوبنا، مبرهناً على أن الكوادر السعودية حينما تتاح لها الفرصة، تبهر العالم بإنجازات تفوق الخيال، لتظل جهوده الجبارة شامة على وجه التطور الوطني، نابضة بالحيوية والتميز، وسفيراً للإبداع الذي لا ينضب.
إن يوم التأسيس هو صرخة الولاء التي تخرج من حناجر الملايين، هو العهد الوثيق الذي يربط بين المواطن وقيادته، بين الأرض وسماؤها، نحن اليوم نقف على منصة التاريخ لنقول للعالم: نحن هنا، كنا وما زلنا وسنبقى، بقلوبنا المؤمنة وسواعدنا القوية، نسير خلف قيادة جعلت الإنسان السعودي هو رهانها الأول وكنزها الحقيقي، فما أعظمه من وطن، وما أجملها من مسيرة بدأت بكلمة وانطلقت بفعل، لتتوج اليوم بسيادة عالمية ونهضة كبرى، فليحفظ الله لنا الملك القائد، وولي عهده الملهم، وليدم عز هذا الوطن الذي خلقه الله ليكون قلب العالم وقبلته، وطناً نفاخر به الملأ، ونبني فيه للأجيال قصة مجد لا تنتهي فصولها، بل تتجدد مع كل إشراقة شمس لتبقى السعودية دوماً فوق هام السحب، ترفرف رايتها بالتوحيد وتصدح مآذنها بالحق، ويسطر تاريخها بالذهب حكايات أمة ولدت لتبقى، وعاشت لتعلو، واستمرت لتكون هي الحقيقة الأجمل في كتاب الوجود.