في مثل هذا اليوم.. أمريكا تسيطر على قناة بنما مقابل 10 ملايين دولار
في مثل هذا اليوم 23 فبراير 1904، حصلت الولايات المتحدة على حق الإشراف والسيطرة على منطقة قناة بنما مقابل 10 ملايين دولار، في خطوة رسخت حضورها الاستراتيجي في قلب أمريكا الوسطى، ومهدت لتحولها إلى قوة بحرية عظمى تفرض نفوذها على المحيطين الأطلسي والهادئ، لم تكن القناة مجرد مشروع هندسي ضخم، بل كانت مشروعًا سياسيًا وجيوسياسيًا أعاد رسم موازين القوى في القرن العشرين.
الحلم الفرنسي
بدأت قصة القناة حين كانت بنما جزءًا من كولومبيا، عندما شرعت شركة فرنسية عام 1881 بقيادة المهندس فرديناند ديليسبس، صاحب تجربة قناة السويس، في شق ممر مائي يربط بين المحيطين.
غير أن الطبيعة الاستوائية القاسية، وانتشار الحمى الصفراء والملاريا، إضافة إلى سوء الإدارة والفساد، تسبب في انهيار المشروع سنة 1889 في كارثة مالية مدوية.
آلاف العمال لقوا حتفهم، وخسرت فرنسا استثمارات ضخمة، فتوقف المشروع وترك وراءه حلمًا مؤجلًا.
التدخل الأمريكي
عقب الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، أدركت واشنطن أن قدرتها على التحرك البحري السريع بين سواحلها الشرقية والغربية مسألة حيوية لأمنها القومي.
ومع رفض كولومبيا شروطًا أمريكية لإنشاء القناة، دعمت الولايات المتحدة انفصال بنما عام 1903، لتولد دولة جديدة سارعت إلى توقيع معاهدة تمنح واشنطن حق إنشاء القناة والسيطرة على منطقة تمتد على جانبيها، وفي 23 فيفري 1904 بدأت الإدارة الأمريكية الفعلية للمشروع، الذي استؤنف العمل فيه بكلفة بلغت نحو 380 مليون دولار.
شارك في البناء قرابة 40 ألف عامل من نحو خمسين دولة، ودفع المشروع ثمنًا إنسانيًا باهظًا بوفاة نحو عشرين ألف عامل نتيجة الحوادث والأمراض.
الافتتاح والتحول
في 14 أوت 1914 افتتحت القناة رسميًا، لتختصر آلاف الكيلومترات من الرحلات البحرية، وتوفر زمنًا وتكاليف هائلة للتجارة العالمية، ومنذ ذلك التاريخ، تحولت القناة إلى شريان رئيسي للاقتصاد الدولي، وعامل أساسي في تعزيز القوة البحرية الأمريكية.
توتر السيادة
لكن السيطرة الأمريكية لم تمر دون اعتراض. فقد اعتبر البنميون أن وجود منطقة خاضعة فعليًا للسيادة الأمريكية داخل أراضيهم انتقاص من استقلالهم الوطني، وبلغت التوترات ذروتها عام 1964 حين اندلعت احتجاجات دامية بسبب منع رفع العلم البنمي في منطقة القناة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وقطع العلاقات الدبلوماسية مؤقتًا بين البلدين.
معاهدة التغيير
في عام 1977، وقع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والجنرال البنمي عمر توريخوس معاهدة تاريخية نصّت على نقل السيادة التدريجية على القناة إلى بنما بحلول 31 ديسمبر 1999، مع ضمان حيادها الدائم، بدأت الإدارة المشتركة عام 1979، قبل أن تتسلم بنما القناة بالكامل في الموعد المحدد، منهيةً نحو 85 عامًا من السيطرة الأمريكية المباشرة.
الغزو والارتدادات
رغم الاتفاقيات، ظلت بنما ساحة تجاذبات سياسية، وبلغ التوتر مداه عام 1989 حين غزت الولايات المتحدة البلاد وأطاحت بمانويل نورييغا. ورغم أن الغزو ارتبط بملفات سياسية وأمنية، فإن القناة بقيت عنصرًا ثابتًا في حسابات واشنطن الاستراتيجية.
صراع جديد
ومع دخول القرن الحادي والعشرين، عادت القناة إلى قلب التنافس الدولي، لكن هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين، ففي عام 2017 قطعت بنما علاقاتها مع تايوان، وانضمت إلى مبادرة “الحزام والطريق”، ما فتح الباب أمام استثمارات صينية في الموانئ والبنية التحتية المحيطة بالقناة. أثار ذلك قلق واشنطن التي ترى في القناة ممرًا حيويًا لأساطيلها وتدفق تجارتها.
تنامي الحضور الاقتصادي الصيني في بنما لا يعني سيطرة مباشرة على القناة، التي تديرها سلطة بنمية مستقلة، لكنه يعكس تحول الممر إلى نقطة ارتكاز في التنافس الجيوسياسي العالمي.
وهكذا، كما كانت القناة في مطلع القرن العشرين مفتاح صعود القوة الأمريكية، تبدو اليوم ورقة حساسة في معادلة التوازن بين واشنطن وبكين.
رمز النفوذ
على مدار أكثر من قرن، لم تكن قناة بنما مجرد إنجاز هندسي، بل كانت عنوانًا لصراع الإرادات بين دولة صغيرة تسعى لترسيخ سيادتها وقوى عظمى ترى في الممر شريانًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه.. لقد دفعت الولايات المتحدة أموالًا، وخاضت معارك سياسية وعسكرية، وتحملت أثمانًا دبلوماسية للحفاظ على نفوذها هناك.