ذكرى إنتاج البلوتونيوم.. كيف أسس هانفورد الطريق للأسلحة النووية؟
تحل علينا اليوم الإثنين الموافق 6 نوفمبر، ذكرى إنتاج البلوتونيوم لأول مرة في موقع هانفورد الذري؛ حيث تمكن العلماء هناك في السادس من نوفمبر عام 1944 من إنتاج هذا العنصر النادر والخطير على نطاق صناعي، ضمن جهود الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية لتطوير السلاح النووي، وقد شكل هذا الإنجاز مرحلة مفصلية في تاريخ الفيزياء النووية، حيث مهد الطريق لتصنيع أولى القنابل الذرية.
ما البلوتونيوم؟
البلوتونيوم معدن ثقيل للغاية وعالي الكثافة، إذ يزيد وزنه النوعي عن الرصاص بحوالي 1.74 مرة، وهو مشع وسام، ويتميز بعدد ذري يبلغ 94، و اكتشف لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1940، ويشبه في خصائصه اليورانيوم-235، فهو عنصر قابل للانشطار النووي، ويمكن الاستفادة من طاقته الهائلة في صناعة القنابل الذرية، كما يستخدم في توليد الكهرباء في بعض المفاعلات النووية، ويجد تطبيقات محدودة في المختبرات البحثية.
أصله وإنتاجه
البلوتونيوم عنصر كيميائي صناعي لا يوجد في الطبيعة إلا بكميات ضئيلة جدًا، وتم إنتاجه عام 1940، ينتج البلوتونيوم عبر قذف كتلة من اليورانيوم بالنيوترونات في المفاعلات النووية، إذ تتحول أجزاء من اليورانيوم بواسطة انبعاث النيوترونات إلى البلوتونيوم-239، الذي يشكل المنتج الأساسي.
في المتوسط، ينتج المفاعل حوالي 0.8 ذرة بلوتونيوم لكل انشطار من اليورانيوم-235، ما يعني إنتاج نحو غرام واحد تقريبًا يوميًا في الظروف الصناعية المثالية.
اكتشاف البلوتونيوم
كانت البذور الأولى لاكتشاف العنصر 94 عام 1934 على يد الفيزيائي الإيطالي إنريكو فيرمي وفريقه في جامعة روما سابينزا، حيث لاحظوا ظهور عنصر أثقل من اليورانيوم، لكن العينة التي درسها الفريق لم تكن بلوتونيومًا صافيًا، بل خليطًا من عناصر ناتجة عن الانشطار النووي، ولم تُفهم طبيعتها بالكامل في ذلك الوقت.
وفي عام 1938، تمكن العالمان الألمانيان أوتو هان وفريتز ستراسمان من اكتشاف ظاهرة الانشطار النووي، بينما فسرته نظرية الفيزيائية ليز مايتنر مع أوتو فريش. هذا الاكتشاف وضع الأساس لفهم كيفية إنتاج عناصر ثقيلة قابلة للانشطار مثل البلوتونيوم.
الإنتاج الفعلي والعزلة الكيميائية
تم إنتاج البلوتونيوم لأول مرة عمليًا على يد غلين سيبورغ وفريقه في جامعة كاليفورنيا بيركلي في 14 ديسمبر 1940، حيث نجحوا في إنتاج نظير البلوتونيوم-238 وعزله، وتم تصنيفه كيميائيًا رسميًا في 23 فبراير 1941 بمشاركة كل من إدوين ماكميلان وجوزيف كينيدي وآرثر واهل.
جاء هذا الإنجاز نتيجة قذف اليورانيوم بالنيوترونات باستخدام جهاز سيكلوترون، وكان إنتاج البلوتونيوم خطوة حاسمة نحو إنتاج الوقود النووي العسكري والمدني.
ورغم التقدم العلمي، تأخر نشر ورقة توثق هذا الاكتشاف لأسباب أمنية حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بسبب حساسية المعلومات المتعلقة بالأسلحة النووية.
وفي مختبر كافنديش في كامبريدج، أظهر كل من إيغون بريتشير ونورمان فيذر أن المفاعل النووي البطيء يمكن أن ينتج كميات كبيرة من البلوتونيوم-239 كمنتج ثانوي، مع إمكانية عزله بسهولة عن اليورانيوم، مما عزز الاهتمام العلمي والعسكري بهذا العنصر.
التسمية
أطلق على هذا العنصر اسم "بلوتونيوم"، على غرار تسمية العناصر بالكواكب، حيث سبق عنصر النبتونيوم نسبةً لكوكب نبتون، وكان بلوتو الكوكب التالي في الترتيب الافتراضي.
وقد اختار سيبورغ الحروف "Pu" بشكل ساخر في إشارة إلى "رائحة مثيرة للاشمئزاز"، وهو الأمر الذي أصبح جزءًا من التاريخ الطريف والاكتشافات العلمية في الجدول الدوري.
البلوتونيوم اليوم
منذ إنتاجه في هانفورد، أصبح البلوتونيوم عنصرًا ذا أهمية قصوى في مجال الطاقة النووية والأسلحة الاستراتيجية، وما زال يمثل تحديًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا، نظرًا لإشعاعه العالي وسميته.
لقد أثبت هذا العنصر أن التقدم العلمي قد يحمل في طياته قدرًا هائلًا من القوة، لكنه يبقى محفوفًا بالمخاطر إذا لم يتم التحكم فيه بحذر.
وهكذا يظل السادس من نوفمبر علامة فارقة في تاريخ الفيزياء النووية، إذ شكل إنتاج البلوتونيوم بداية رحلة من البحث والاكتشاف والسيطرة على قوى الطاقة الذرية، وهو إرث علمي هائل لكنه أيضًا مثير للسخرية بسبب الطريقة التي صاغ بها الإنسان تاريخه بالعلم والسياسة والحرب.