الوليد بن عبد الملك.. العصر الذهبي للأمويين بين الفتوح والبناء
تحل علينا اليوم الأربعاء 23 فبراير، ذكرى وفاة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي يعد من أبرز حكام الدولة الأموية، وسمي عصره بالعصر الذهبي للدولة الأموية لما تميزت به دولته من عمران وفتوح ورعاية للشعب.
كان الوليد أول من ضمن طرق الدولة بالمياه وحفر الآبار على طولها من دمشق إلى الحجاز، ووظف من يعتني بهذه الآبار لتوفير المياه للمسافرين والسكان، كما أولى اهتمامًا بالغًا برعاية الفقراء والمحتاجين.
نشأته وتعليمه
ولد الوليد بن عبد الملك في المدينة المنورة عام 668م، وهو سادس خلفاء بني أمية، نشأ في بيئة علمية، حيث نهل من علم أهل المدينة وفقهائها، مثل خالد بن معدان وعروة بن الزبير والزهري ورجاء بن حيوة، وتعلم منهم فنون الإدارة والفقه والسياسة، وعرف الوليد بغزارة علمه ورجاحة عقله، وكان شغوفًا باللغة العربية وأصول القيادة والإدارة.
تولى الوليد الخلافة في عام 705م، واستمر حكمه حتى وفاته عام 715م، وقد تمكن خلالها من إقامة دولة قوية وموحدة، جعلت من دمشق مركزًا للسلطة والحضارة الإسلامية.
خلافته والفتوح العسكرية
شهد عهد الوليد بن عبد الملك توسعًا هائلًا في رقعة الدولة الإسلامية، إذ وصل الإسلام في عهده إلى أقصى الشرق نحو الصين، وإلى الغرب نحو الأندلس ، وقاد جيوشه قادة بارزون مثل محمد بن القاسم الذي فتح بلاد السند، وقتيبة بن مسلم والي خراسان الذي فتح بلاد ما وراء النهر، وموسى بن نصير الذي شارك مع طارق بن زياد في فتح غرب إفريقيا والأندلس.
بلغت الدولة الأموية ذروتها في عهده، حيث فتحت جيوش الأمويين مناطق بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة والهند وطنجة والأندلس، لتصبح بذلك أكبر إمبراطورية إسلامية عرفها التاريخ في تلك الفترة.
الإنجازات المعمارية
كان الوليد بن عبد الملك من أشد القادة اهتمامًا بالعمارة الإسلامية، فشيد الجامع الأموي بدمشق وأعاد بناء المسجد النبوي بالمدينة المنورة، مستقدمًا أمهر الصناع وأثمن المواد من أحجار وأخشاب وفسيفساء، ليعكس البناء عظمة الدين وحضارة الأمة، وما زالت بعض اللوحات الفسيفسائية بالجامع الأموي تروي عناية الخليفة بالتفاصيل المعمارية وجمال دمشق في ذلك العصر.
كما قام الوليد بتوسعة المسجد الحرام لأول مرة، فزاد مساحة الجهة الشرقية ببناء رواق دائري بطول 2300 متر مربع، وأدخل أعمدة الرخام من مصر والشام، وأهدي إلى الكعبة هلالين وسريرًا من الذهب، في خطوة تاريخية عكست اهتمامه بالعمارة الدينية.
الرعاية الاجتماعية وبناء المستشفيات
يعد الوليد بن عبد الملك رائدًا في مجال الرعاية الاجتماعية، حيث أنشأ أول المستشفيات في الإسلام، بما في ذلك مستشفى للمجذومين والعميان في دمشق عام 707م، على نفقة بيت المال، وكان لكل مريض فقير أو غني، مسلم أو ذمي، الحق في العلاج المجاني، كما عيّن موظفين لإدارة المستشفيات والإشراف على الخدمات. وعلاوة على ذلك، تكفل الأيتام ووفر لهم المأوى، وأقام دورًا لإيواء الغرباء والمحتاجين، ليصبح نموذجًا للعناية الاجتماعية المؤسسية في العالم الإسلامي.