مفتي الجمهورية: الصيام ليس مجرد تكليف شرعي بل علاج رباني لتهدئة النفس
قال الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، إن كثيرًا من الناس في هذا العصر يعانون حالة دائمة من القلق والحزن المستمر والحيرة التي لا تنقطع، وهي مشاعر تتراكم داخل النفس فتؤدي إلى الارتباك وفقدان التوازن الداخلي، وتُكثر من الأسئلة المقلقة حول المستقبل والمصير والاختيارات، فيظل الإنسان أسير دوامة نفسية لا يعرف لها مخرجًا ولا يشعر فيها بالأمن أو الأمان، وهذا الاضطراب النفسي وتزاحم الهواجس والأسئلة من أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر، خاصة مع تسارع وتيرة الحياة وكثرة الضغوط، مشيرًا إلى أن الصيام يأتي في هذا السياق لا باعتباره مجرد تكليف شرعي، وإنما كعلاج رباني هادئ يعيد للنفس طمأنينتها، وللقلب سكينته، وللروح اطمئنانها المفقود.
مدرسة التخلي والتحرر من التعلق المفرط
وأضاف عياد، خلال برنامج مع فضيلة المفتي، على شاشة القناة الأولى، أن الصيام في جوهره يُعلم الإنسان معنى التخلي، فالصائم يتخلى عن الطعام والشراب بإرادته، ويمتنع عن شهوات اعتاد عليها، ومن خلال هذا الامتناع الظاهري يتعلم دون أن يشعر كيف يتخلى عن القلق الزائد والتعلق المفرط بما في أيدي الناس، وهو التعلق الذي يُعد من أبرز أسباب الاضطراب النفسي وفقدان السكينة.
وأوضح أن هذا التخلي يخفف الضغوط النفسية الثقيلة، لأن القلق غالبًا ما ينشأ من الارتهان لما لا يملكه الإنسان، بينما تنشأ الطمأنينة الحقيقية من التسليم والثقة، وهنا يأتي دور الصيام في دفع الإنسان إلى التخلي عن التعلق، ليصل بعد ذلك إلى التحلي بالطمأنينة وامتلاء القلب بالسكينة، مصداقًا لقوله تعالى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.
الذكر وتهدئة الضجيج الداخلي للنفس
وأشار مفتي الجمهورية، إلى أن الصيام يدفع الإنسان بطبيعته إلى الإكثار من ذكر الله، وهو ما يؤدي إلى تقليل هذا الضجيج الداخلي المتراكم في النفس، حيث تهدأ الأفكار المشتتة وتخف وطأة القلق، فيسكن القلب وتطمئن الروح، ويجد الإنسان نفسه أقرب إلى السلام الداخلي الذي افتقده طويلًا.
ولفت إلى أن الصيام لا يقتصر أثره على التهدئة النفسية فقط، بل يعمل كذلك على ترتيب الداخل الإنساني، فعندما يجوع الجسد تصحو الروح، وعندما تقل الشهوات تقوى البصيرة، وحينها تتراجع الحيرة أو تختفي، لأن كثيرًا من الحيرة تنشأ من تزاحم الرغبات وتعدد المطالب، فإذا هدأت هذه الرغبات وضح الطريق وسهل السبيل.
بعث الأمل والقضاء على الألم
وأكد الدكتور نظير عياد، أن من أعظم ثمار الصيام غرس معنى الأمل في النفس، والقضاء على الإحساس الدائم بالألم، فالصائم يجوع لكنه يعلم أن للجوع نهاية، ويعطش لكنه واثق أن وقت الإفطار آتٍ لا محالة، وهذه رسالة نفسية عميقة مفادها أن الألم لا يدوم، وأن العسر يعقبه يسر، وأن الصبر مفتاح الفرج.
واستشهد مفتي الجمهورية بقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة”، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير”، موضحًا أن الصيام باب عظيم من أبواب الصبر، ومن ثم فهو باب واسع للخير، لما يحمله من معانٍ إيمانية تعزز الثبات وتغرس اليقين.
طريق القرب من الله وشفاء القلق
وشدد على أن من أهم فوائد الصيام أنه يربط القلب بالله تعالى، ومن كان قلبه مع الله فلا يخشى ضياعًا ولا حيرة ولا قلقًا، لأن القرب من الله شفاء، والثقة به ضياء، والتعرف عليه نور يضيء الطريق مهما اشتدت الظلمات.
وأوضح أن الإنسان إذا اشتد به الألم، وتعددت همومه، وكثرت أسئلته القلقة، فعليه أن يدرك أن في الصيام راحة، وأنه باب واسع للقرب من الله، وهذا القرب وحده كفيل بأن يبدد القلق ويعيد للنفس توازنها المفقود.
الصيام بناء للإنسان
واختتم مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد، بالتأكيد على أن الصيام لا يقتصر على كونه امتناعًا عن الأكل والشرب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تسهم في بناء الإنسان بناءً سويًا، بعيدًا عن الهزات النفسية والانفلاتات الوجدانية والأسئلة المقلقة التي تعوق الوصول إلى الطمأنينة والسكينة، داعيًا إلى الاطمئنان بأن الصيام بوابة حقيقية للقضاء على القلق والريبة والشك والحيرة، لأنه يحقق التقوى، وهي ثمرة من أعظم ثمار الإيمان، مختتمًا بقوله: فاطمئن أيها الإنسان، فإن في الصيام راحة للقلب، وسلامًا للنفس، ونورًا للطريق.

