رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صعود اليمين المتطرف.. أزمة الجريمة تكشف عنصرية المجتمع الإسرائيلي

عنف المستوطنين اليهود
عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية

ما زالت الاحتجاجات العربية في الداخل الإسرائيلي متواصلة ردًا على تفشي الجريمة في أوساط المجتمعات العربية، حيث اندلعت الأزمة في نهاية يناير الماضي ردًا على مقتل شخص عربي وإصابة اثنين بالقرب من محكمة اللد، وتعد تلك الحادثة رقم 33 خلال شهر يناير الماضي.

ردًا على تفشي الجرائم في المجتمع العربي اندلعت التظاهرات المتشحة بالرايات السود في العديد من المدن العربية مثل اللد وسخنين وأيضًا تل أبيب، رفضًا لتقاعس الحكومة الإسرائيلية في مواجهة الجريمة المنظمة في المجتمعات العربية.

توجد العديد من العوامل التاريخية التي تسببت في انتشار العنف والجريمة في المجتمعات العربية، أبرزها على الإطلاق حالة التهميش القسري التي تعاني منها المجتمعات العربية في الداخل الإسرائيلي؛ فعلى سبيل المثال تشكلت لجنة حكومية تدعى لجنة أور في عام 2000 لبحث مسألة انتشار الجريمة في المجتمعات العربية، وأفضى تقرير اللجنة إلى أن التهميش والفقر في المجتمعات العربية في الداخل الإسرائيلي سببان رئيسيان في انتشار العنف والجريمة في الداخل الإسرائيلي.

اليمين المتطرف في إسرائيل
اليمين المتطرف في إسرائيل

نتائج الاستطلاع

مؤخرًا أجرت صحيفة معاريف الإسرائيلية استطلاعًا للرأي في الداخل الإسرائيلي حول موقف الإسرائيليين اليهود من الاحتجاجات العربية الأخيرة فيما يخص مسألة العنف والجريمة في المدن والمجتمعات العربية.

أرجع معظم المستطلعين اليهود تنامي العنف والجريمة في المجتمعات الإسرائيلية إلى عوامل ثقافية، في حين أبدى غالبية المستطلعين الإسرائيليين العرب رأيهم في تلك الأزمة بأن السبب الرئيسي هو تقاعس الشرطة عن أداء مهامها في حماية المجتمعات العربية من الجرائم.

تنوعت مواقف اليهود من الاستطلاع الأخير، حيث أكد 56% من اليهود أن سبب انتشار العنف هو عوامل ثقافية في الأساس، أما 31% من المستجيبين للاستطلاع من اليهود فقد أشاروا إلى أن تقاعس الشرطة هو السبب، في حين صرح 12% من إجمالي العينة العشوائية أن النظام القضائي في إسرائيل هو ما يتسبب في تعطيل عمل الشرطة في المناطق العربية، وأخيرًا أبدى 8% من المستجيبين للاستطلاع عدم معرفتهم بأي شيء.

وفيما يتعلق بالتظاهرات والاحتجاجات العربية، أبدى المستجيبون للاستطلاع رأيهم بضرورة استخدام أقصى قوة قانونية ممكنة لمواجهة تلك الاحتجاجات، حيث أيد 69% من إجمالي المستجيبين ضرورة استخدام القوة في احتواء الأحداث والاحتجاجات قدر الإمكان.

عنصرية المجتمع اليهودي

تكشف نتائج الاستطلاع الأخيرة عن مدى حالة التطرف والعنصرية في المجتمع اليهودي في مواجهة الأقليات في المجتمع الإسرائيلي؛ ففي البداية ألقى المستجيبون اليهود باللوم على المعتقدات العربية الثقافية في تفشي الجريمة في تلك المجتمعات، وهو ما يحمل دلالات خطيرة أبرزها:

أولًا: تبرئة ساحة الدولة

أتت نتائج الاستطلاع الأخيرة لتبرئ الحكومة والشرطة الإسرائيلية من مسؤولية انتشار الجريمة في المجتمعات العربية، حيث إن السبب خارج المهام والمسؤوليات الحكومية ويقع على عاتق العرب أنفسهم، وبالتالي ليس للشرطة أو الحكومة ذنب فيما يحدث في المجتمعات العربية، وهو الأمر الذي تنفيه المواقع والصحف الإسرائيلية نفسها؛ فعلى سبيل المثال أشارت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى أن الشرطة تمكنت من حل 23% من إجمالي الجرائم المرتكبة في المناطق العربية، في حين تصل تلك النسبة إلى 71% في الأحياء اليهودية، مما دفع العصابات الإجرامية في المناطق العربية إلى تطوير نفسها وتسليحها حتى باتت تستخدم المسيرات والمفخخات وصواريخ لاو المضادة للدروع في عملياتها الإجرامية.

عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 
عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 

كما أتت نتائج الاستطلاعات ليس فقط لتبرئة الشرطة، بل أيضًا لتبرئة باقي أجهزة الحكومة الإسرائيلية، وتدفعها إلى التنصل من مسؤوليتها الخدمية والتنموية في المجتمعات العربية؛ فالعديد من التقارير الإسرائيلية أشارت إلى أن السبب الرئيسي، وربما الوحيد، في انتشار الجريمة هو تقاعس الحكومة عن أدوارها التنموية في المجتمعات العربية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الفقر والبطالة، وبالتالي أدى ذلك إلى انتشار الجريمة والعنف في تلك المجتمعات.

 ثانيًا: القدح في جميع المعتقدات العربية 

تعكس نتائج الاستطلاع الأخيرة نوعًا متأصلًا من العنصرية الثقافية والدينية في المجتمع اليهودي؛ فإرجاع سبب انتشار العنف في المجتمعات العربية لأسباب ثقافية يعني أن هناك قدحًا إسرائيليًا في جميع المعتقدات الثقافية العربية، والتي يشكل فيها الدين الإسلامي والمسيحي الركن الأساسي والرئيس في تشكيل تلك المعتقدات الثقافية.

ويتوافق اتهام المعتقدات الثقافية العربية (الديانة الإسلامية والمسيحية) مع الطبيعة الانغلاقية لليهودية؛ فمن المعروف أن الديانة اليهودية ليست ديانة تبشيرية كالإسلام والمسيحية، بل ديانة قائمة على الانغلاق الذاتي، ويبرز فيها فكرة السمو العرقي والجنسي، وتنظر إلى الآخرين على أنهم مجرد أغيار يجب عليهم خدمة المجتمع اليهودي.

ثالثًا: الإمعان في يهودية الدولة

تأتي نتائج الاستطلاع الأخيرة لتضاف إلى الدعوات الإسرائيلية الرامية إلى تحقيق يهودية الدولة، فلا يوجد أي تجانس أو انسجام بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، حيث تنظر الأغلبية اليهودية إلى الأقلية العربية بعين احتقار وتدنٍّ، ولا ترى أن هناك سببًا واضحًا أو تقصيرًا من الحكومة إزاء مشكلاتهم، كما أن البعض لا يتابع ولا يهتم بالقضايا العربية في الداخل الإسرائيلي.

عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 
عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 

رابعًا: تصاعد الاتجاهات اليمينية في المجتمع الإسرائيلي

استكمالًا للنقطة السابقة، تتوافق نتائج الاستطلاع السابقة مع أفكار اليمين المتطرف الإسرائيلي وتحركاته خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد القرارات الأخيرة التي تم اتخاذها في الضفة الغربية، والتي تمكن لإسرائيل من الاستيلاء على 15% من أراضي الضفة وطرد الفلسطينيين منها.

وجدير بالذكر أن ما يحدث الآن في الضفة الغربية لا ينفصل عما يحدث في الداخل الإسرائيلي، ففور تخلص إسرائيل من فلسطينيي الضفة الغربية ستتوجه الأصوات اليهودية المتطرفة من أنصار اليمين إلى ضرورة التخلص من المجتمعات العربية في الداخل الإسرائيلي، أي أن التعامل مع أزمة المجتمعات العربية في الداخل مؤجل لحين الانتهاء من أزمة الضفة، لكن في نفس الوقت يتم تجهيز الأوضاع في تلك المجتمعات العربية بنشر العنف والجريمة المنظمة لتكون مؤهلة في المستقبل القريب من أجل تصفية تلك المجتمعات.

خامسًا: مؤشر للانتخابات المقبلة

الإنكار اليهودي للحقوق العربية، بل المطالبة بالتعامل الحازم مع الاحتجاجات العربية، من شأنه إعطاء صورة سوداوية أمام الأحزاب العربية خلال الانتخابات المقبلة في أكتوبر المقبل، حيث هناك رفض يهودي عام لكل ما هو عربي وقضاياه، كما أن نتائج الاستطلاع تشير إلى احتمالية تربع الأحزاب اليمينية المتطرفة قمة نتائج الانتخابات المقبلة، ولعل التحركات الأخيرة لرئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت تشير إلى أن المزاج الانتخابي الإسرائيلي بات أكثر توجهًا نحو اليمين؛ لذا صرح مؤخرًا بعدم معارضة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية سموتريتش، وكلاهما من أقطاب اليمين المتطرف الإسرائيلي.

عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 
عنف المستوطنين اليهود - أرشيفية 

ختامًا:

نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة تكشف عن فجوة عميقة في بنية المجتمع الإسرائيلي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى القيمي والثقافي أيضًا، حيث تتجذر روايات تبريرية تعفي الدولة من مسؤولياتها تجاه مواطنيها العرب، وتعيد إنتاج خطاب يحمّل الضحية مسؤولية أزماتها. وفي ظل هذا المناخ، تبدو أزمة الجريمة في المجتمعات العربية مرشحة لمزيد من التعقيد، مع استمرار غياب المعالجة البنيوية القائمة على التنمية والمساواة في تطبيق القانون.

كما أن تزايد النزعة اليمينية وتنامي الخطاب الإقصائي يضع مستقبل التعايش داخل الخط الأخضر أمام تحديات غير مسبوقة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية واحتمالات صعود تيارات أكثر تشددًا. وعليه، فإن معالجة جذور الأزمة لا يمكن أن تتم عبر أدوات أمنية أو ردود فعل ظرفية، بل عبر مراجعة شاملة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب، بما يضمن العدالة والمواطنة المتساوية ويمنع انزلاق الداخل الإسرائيلي إلى مزيد من الاستقطاب والتفكك المجتمعي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء