العشوائيات في نيجيريا.. تهديد أمني يتفاقم تحت غطاء التطوير الحضري
تبلغ نسبة الحضر في إفريقيا حاليًا حوالي 43%، مع احتمالية زيادة النسبة لتصل إلى 65% بحلول عام 2065، وهو الأمر الذي يفاقم العديد من المآسي والأزمات الإنسانية، حيث ستنتشر مدن الصفيح والعشوائيات على هوامش المدن والعواصم الإفريقية.
توجد في إفريقيا نماذج حالية لمدن العشوائيات التي ستكون السائدة في المستقبل في ظل غياب التخطيط الحضري العمراني للمدن الإفريقية؛ ففي كينيا على سبيل المثال تمثل المناطق المهمشة في نيروبي وقودًا للأزمات والصراعات السياسية في البلاد، وجُرِّبت تلك المناطق خلال أزمة الانتخابات الرئاسية عام 2006، والتي أعقبها موجة عنف غير مسبوقة في البلاد، كان وقودها المناطق العشوائية والهامشية في العاصمة نيروبي.
وفي نيجيريا تنتشر المناطق العشوائية والمهمشة على أطراف وحواف المدن الكبرى، مشكلة مجتمعًا من المهمشين الذين غالبًا ما يكونون عرضة للفقر والإرهاب والتطرف وعصابات الجريمة المنظمة.

اتخذت نيجيريا والعديد من الدول الأخرى خططًا من شأنها إزالة العشوائيات والمناطق غير الآمنة على حواف المدن الكبرى، إلا أن المعضلة تكمن في التدخل غير المدروس من قبل الحكومات الإفريقية، والذي غالبًا ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلًا من حلها، وعادة ما يحول تلك المناطق إلى بؤر وقنابل موقوتة يسهل استغلالها من قبل العصابات الإجرامية والجماعات الإرهابية في البلاد.
فينيسيا نيجيريا
يُعد تحسين الأحياء الفقيرة والمستوطنات العشوائية أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة خلال عام 2030، حيث تنصب خطة الأمم المتحدة على ضمان حيازة المساكن الآمنة، ومنع عمليات الإخلاء القسري، وتحسين الوصول إلى المياه والصرف الصحي، وضمان ظروف معيشية كريمة.
رغم وجاهة خطة الأمم المتحدة، إلا أنه لا ينبغي أن تكون عملية التطوير الجديدة على حساب السكان الذين يعانون من الإفقار نتيجة عملية التخطيط العمراني العشوائي التي تتميز بها أغلب المدن الأفريقية، وخاصة في نيجيريا.
تشهد حاليًا المجتمعات الساحلية في منطقة ماكوكو في العاصمة النيجيرية لاغوس عمليات هدم وإزالة للأحياء العشوائية، وتُعد منطقة ماكوكو أكبر مستوطنة عائمة في العالم، والتي تُعرف باسم فينيسيا نيجيريا، إلا أنها مركز للفقر والجريمة والأزمات الإنسانية في العاصمة لاغوس.
تُجرى حاليًا عمليات هدم الأحياء العشوائية في ماكوكو دون أية دراسة حضرية وعمرانية لمصير ومستقبل السكان في تلك المنطقة، وغالبًا ما تُجرى عمليات الهدم دون إشعار السكان القاطنين بتلك المناطق وتوفير المأوى المناسب لهم.

شهدت مدينة لاغوس خلال الفترة الممتدة من عام 1973 وحتى عام 2024 حوالي 91 عملية إخلاء قسري في مناطق عشوائية بالمدينة، مما أدى إلى تدمير عشرات الأسواق التجارية والمدارس والعيادات، مما أدى إلى انقطاع خدمات التعليم والرعاية الصحية وحرمان المواطنين من تلك الخدمات.
بدأت عمليات الهدم في إقليم ماكوكو في ديسمبر 2025، وما زالت جارية إلى الآن، حيث أفادت التقارير بهدم ما يقارب ثلاثة آلاف منزل وتشريد عشرة آلاف شخص حتى الآن، وجدير بالذكر أن مدينة ماكوكو هي موطن لحوالي 300 ألف نسمة، وحاليًا يتخذ مشردو ماكوكو زوارق الصيد والشوارع مساكن مؤقتة لهم لحين تدخل الدولة لتحسين معيشتهم.
بررت الدولة عمليات الإخلاء بأنها محاولة لتحسين ظروف معيشة السكان وتقليل تعرضهم للفيضانات وغيرها من المخاطر. هذا التبرير ليس حكرًا على لاغوس أو نيجيريا فقط؛ ففي عام 2024 قامت الحكومة الكينية بإخلاء السكان من المناطق النهرية عالية الخطورة، وقُتل بعضهم جراء عمليات الهدم. وتؤكد منظمات حقوق الإنسان والسكان أن هذه المبررات تُستخدم غالبًا لتطهير الأراضي من أجل مشاريع تطويرية باهظة الثمن وتحسين الأحياء.

إخلاء عنيف
عادة ما تستعين قوات الأمن النيجيرية بالعديد من الميليشيات المحلية المسلحة بالأسلحة البيضاء، وتُدعى تلك الميليشيات باسم "شباب المنطقة"، من أجل تنفيذ عمليات الإخلاء القسري في الأحياء الفقيرة، وعادة ما تسبب عمليات الإخلاء القسري أزمات إنسانية كبيرة؛ ففي عام 1990 تم تنفيذ عملية إخلاء قسري من حي ماروكو الفقير جنوب شرق لاغوس، مما أدى إلى تشريد ما يقارب 300 ألف شخص، مما أدى لاحقًا إلى تضرر 30 منطقة سكنية نتيجة عملية النزوح السكاني إليها.
وعلى غرار تجربة ماروكو، كررت الحكومة النيجيرية عملية إخلاء كبرى واسعة النطاق في حي أوورونشوكي شمال شرق لاغوس، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى عام 2025.
وفي تقرير خاص لمنظمة العفو الدولية أظهر أنه خلال هدم مجمعي أوتودو غبامي وإيلوبيرين السكنيين على ضفاف بحيرة لاغوس عام 2016، أدى ذلك إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والجريمة، حيث هرع السكان بحثًا عن مأوى، وأفاد شهود عيان أن بعضهم غرق في البحيرة أثناء محاولتهم الفرار من إطلاق النار. وتُعد عمليات الإخلاء قوة مدمرة تُزعزع التماسك الاجتماعي، وتزيد من الفقر والتشرد، وترفع معدلات السرقة والسطو والعنف المسلح.

تداعيات الإخلاء القسري
يمكن إضافة عمليات الإخلاء القسري في لاغوس والعديد من المدن النيجيرية إلى جملة الأزمات الإنسانية التي تعاني منها نيجيريا مؤخرًا، حيث تخلف عمليات الإخلاء القسري العديد من الأزمات الإنسانية والأمنية التي لها تداعيات سلبية على مستقبل الأمن في نيجيريا، ومن أبرزها:
أولًا: خلق مجتمعات جديدة للمهمشين
من المفترض أن تقوم عملية الإخلاء القسري بتنمية المجتمعات المحلية في نيجيريا، ولاغوس على وجه الخصوص، إلا أن السياسات العشوائية لعمليات الإخلاء، وغير المرتبطة بخطة تطوير حضارية، أدت في النهاية إلى تعزيز المجتمعات المهمشة في البلاد، حيث تم الإضرار بالنشاط الاقتصادي لسكان تلك المناطق، حيث توقفت عمليات الصيد التي تقوم عليها تلك المناطق، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تزايد عمليات العنف والجرائم المنظمة، خاصة في أوساط النازحين، مما يؤدي مستقبلًا إلى تحول هؤلاء إلى حواضن للجماعات الإرهابية بمختلف انتماءاتها الدينية والعرقية.
ثانيًا: إثقال كاهل الأجهزة الأمنية
تعاني الأجهزة الأمنية في نيجيريا من أعباء متزايدة نتيجة الوضع الأمني في الولايات الشمالية الشرقية والغربية، نتيجة تنامي الجماعات الإرهابية في شمال البلاد؛ لذا فإن نشأة الميليشيات المسلحة الإجرامية في جنوب البلاد تعني تشتت جهود الأجهزة الأمنية في البلاد ما بين الجماعات الإرهابية شمالًا والعصابات الإجرامية جنوبًا.
ثالثًا: تطور الحالة الميليشياوية في نيجيريا
تزايد اعتماد الأجهزة الأمنية على الميليشيات المحلية "شباب المنطقة" من شأنه إقرار الحالة الميليشياوية في البلاد، وقد تتحول تلك الميليشيات مع مرور الوقت إلى جماعات إرهابية تمارس نفوذًا واسعًا يقترب من سيادة الدول المركزية؛ فعلى سبيل المثال بدأت ميليشيات لاكوراو في شمال البلاد كميليشيات محلية تهدف في الأساس إلى حماية المراعي والمزارع من عمليات السطو والنهب، وسرعان ما تحولت تلك الميليشيات في غضون سنوات قليلة إلى واحدة من أشرس الجماعات الإرهابية في شمال البلاد، وكانت سببًا في التدخل العسكري الأمريكي في شمال البلاد في نهاية ديسمبر الماضي.

وختامًا:
يجب أن يكون تخطيط مدينة لاغوس أكثر شمولًا. لا يمكن للمدينة أن تتطور على حساب سكانها الفقراء الذين يُعاقبون على عقود من إخفاقات التخطيط الحضري، وقد أدت هذه المناهج غير الكافية إلى فصل المدينة على أساس الدخل، مما منح الأحياء الراقية بنية تحتية أفضل؛ لذا ينبغي امتناع الحكومة النيجيرية عن عمليات الإخلاء القسري من المنازل والأراضي، والحماية منها.
محمد الدابولي*