لم أكن أنتوي الحديث أو التعليق على تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، التي قال فيها إن إسرائيل لديها «حق توراتي» في السيطرة على كامل الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات.
لم أرَ أن هناك جديدًا فيما زعمه الدبلوماسي الأمريكي، يستحق التعليق أو يدفع للاستغراب، فما قاله هاكابي ذو الأصول الصهيونية، المعروف بدفاعه المستميت عن إسرائيل، هو ما تؤمن به الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب، ولا أكون مبالغًا إن قلت إن هذه هي العقيدة التي تحرك كل الإدارات الأمريكية باختلاف توجهاتها وأيديولوجياتها.
ما دفعني للعدول عن رغبتي في عدم تناول الأمر هو تلك الحالة من الاستنكار والإدانات الدبلوماسية التي قوبلت بها تصريحات هاكابي من عدد كبير من العواصم والمنظمات العربية والإسلامية.
أكثر ما أثارني في تصريحات هاكابي هو تلك الحالة من الاستغراب التي تعاملت بها العواصم العربية، التي بدت وكأنها مصدومة من تهديدات دبلوماسي أمريكي برتبة سفير بمنح إسرائيل حق احتلال أراضيها وبناء دولتها المزعومة.
الأغرب أن تصريحات هاكابي التي انتفض لأجلها العرب «دبلوماسيًا» ليست الأولى التي تكشف مكنون السياسة الغربية وطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وسيطرة البعد الديني عليه بشكل كامل.
شكرت هاكابي في عنوان المقال، والذي قد يراه البعض أمرًا صادمًا، وقد يصل الأمر من آخرين لاعتبار العنوان نوعًا من الخيانة غير المقبولة التي تستوجب محاكمة كاتبها، ليس حبًا في هذا الصهيوني المقيت ولا دعمًا لأكاذيبه ومزاعمه التي تفضحها التاريخ والجغرافيا، بل لأنه أسقط قناع المدنية الزائف عن طبيعة الكيان الصهيوني والدول الداعمة له، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
فضح هاكابي الغرف المغلقة التي تحكم العالم وتدير جلسات المفاوضات السياسية، وأسقط ورقة التوت عن أكاذيب الدبلوماسية ومزاعم حل الدولتين ومفاوضات أوسلو وغيرها من معاهدات السلام التي رعتها القوى الدولية بين الكيان الصهيوني والدول العربية.
تصريحات هاكابي ليست جديدة، ولكننا أمة لا تقرأ كما وصفها بن جوريون، أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني. الأدعى أننا أصبحنا نمتلك ذاكرة سمك، سرعان ما ننسى، رغم أن ما يحدث وما نعيشه منذ عقود يُفترض أنه لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة.
الغريب أن نفس تصريحات هاكابي، وربما أقوى منها، وردت قبل أشهر قليلة على لسان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، الذي صرح في أغسطس الماضي أنه «يشعر بأنه في مهمة تاريخية وروحية»، وأنه متمسك «جدًا» برؤية إسرائيل الكبرى، التي تشمل الأراضي الفلسطينية، «وربما أيضًا مناطق من الأردن ومصر»!
الأزمة إذن ليست في إسرائيل التي تعلن أهدافها بشكل واضح وصريح لدرجة الوقاحة كما ورد على لسان نتنياهو، ولا المشكلة في أمريكا التي كشفت عن توجهاتها ودعمها المطلق لإسرائيل وحقها في السيطرة على دول الشرق الأوسط كما صرح هاكابي أو كما أكدته الكثير من المواقف السابقة، الأزمة في الدول والمنظمات العربية التي ما زالت ترى الولايات المتحدة وسيطًا نزيهًا في أي مفاوضات مع الاحتلال، وما زالت تعتقد بإمكانية التعايش مع عدو ينتهز الفرصة لابتلاع الحدود العربية والسيطرة عليها.
ويبقى السؤال.. هل تكتفي الدول والعواصم والمنظمات العربية ببيانات الإدانة والشجب والاستنكار التي أصدرتها احتجاجًا على تصريحات «هاكابي»، والتي ربما تتشابه في صياغتها مع تلك التي تم إصدارها في أغسطس الماضي ردًا على تصريحات نتنياهو؟
متى ندرك أن هناك مخططًا شاملًا يستهدف الوجود، ليس العربي فقط، بل لن أكون مبالغًا إن قلت إنه يستهدف الوجود غير الإسرائيلي بالشرق الأوسط، مخططًا ينطلق من عقيدة توراتية تلمودية متطرفة ترى قتل العرب قُربة إلى إله مزعوم، وتعتبر حدودهم وأراضيهم إرثًا تاريخيًا لا بد من استعادته؟
متى ندرك أن ما يعرف بإسرائيل هو كيان استيطاني وبؤرة سرطانية زرعها الغرب لابتلاع دول الشرق الأوسط ونهب ثرواتها؟ الأمر لن يتوقف عند حدود غزة أو سوريا أو لبنان أو إيران أو اليمن، بل عموم الدول العربية، وعلى رأسها تلك التي ترتبط بمعاهدات سلام مع هذا الكيان.
الأمر جد خطير، والدائرة تضيق، وطبول الحرب التي تقترب من إيران اليوم ستُقرع عما قريب في دولة جديدة، والاتهامات جاهزة والحشود تحت الطلب.. فهل نفيق قبل فوات الأوان؟