قرية تونس.. حكاية الخزف المصري من الطين إلى العالمية|فيديو
في حلقة خاصة من برنامج باب رزق الذي يقدمه الكاتب الصحفي والإعلامي يسري الفخراني، كانت الرحلة إلى واحدة من أهم القرى الحرفية في مصر: قرية تونس بمحافظة الفيوم، حيث تحولت صناعة الخزف من حرفة بسيطة إلى علامة فنية عالمية تزين المتاحف الكبرى.
على بعد نحو ساعة ونصف من القاهرة، تستقر قرية تونس على ضفاف بحيرة قارون، بشوارعها الضيقة وبيوتها الملونة التي تنبض بالحياة، خلال العقود الأربعة الأخيرة، تبدلت ملامح القرية بالكامل، إذ أصبحت مقصدًا لآلاف السياح سنويًا، الباحثين عن سحر الفخار المصري المرسوم يدويًا، والذي يحمل بصمة بيئية وتراثية فريدة.
محمد الشريف.. من ورشة صغيرة إلى متحف عالمي
في قلب القرية، التقينا الخزاف محمد الشريف، أحد أبرز أبناء تونس الذين حملوا اسمها إلى العالمية، أعماله لم تكتفِ بالانتشار محليًا، بل وصلت إلى متحف Victoria and Albert Museum في لندن، أحد أهم متاحف الفنون والتصميم في العالم.
يستعيد الشريف، لحظة فارقة في مسيرته عام 2017، حين زارت لجنة من المتحف القاهرة لاختيار مقتنيات فنية، لتقع أعينهم على إحدى قطعه الخزفية، أُدرج العمل ضمن مقتنيات المتحف باسمه، ومنذ ذلك الحين أصبح اسمه محفورًا على قطع الخزف في القرية، لتتحول كل قطعة إلى شهادة جودة وهوية فنية مصرية خالصة.
مدام إيفلين.. البذرة الأولى لصناعة الخزف في تونس
البداية الحقيقية لهذه النهضة تعود إلى السويسرية إيفلين بوريه، التي استقرت في القرية قبل عقود، ولاحظت مهارة الأطفال في تشكيل ألعابهم من طين الحقول الزراعية، رأت في تلك التلقائية موهبة خام تستحق الرعاية، فقررت إنشاء مدرسة لتعليم الخزف لأبناء القرية، خاصة الأطفال والسيدات.
اعتمدت إيفلين، أسلوبًا فريدًا في التعليم؛ إذ ركزت على إتقان التقنيات الأساسية للحرفة، لكنها تركت مساحة واسعة للخيال والإبداع الشخصي، لم تفرض نماذج جامدة، بل شجعت كل متدرب على رسم ما يراه بعينه ويشعر به بقلبه، وهو ما منح خزف تونس طابعه المتجدد واختلافه الدائم.
الفرق بين الفخار والخزف.. مراحل صناعة قطعة فنية
يوضح محمد الشريف، الفرق بين الفخار والخزف، مؤكدًا أن أي قطعة تُصنع من الطين وتُحرق في الفرن تُعد فخارًا في مرحلتها الأولى، حيث تبقى مسامية، أما الخزف فيبدأ بإضافة طبقة البطانات (الخلفية البيضاء)، ثم النقش والحفر على السطح قبل التلوين.
تتنوع تقنيات الزخرفة بين الحفر اليدوي باستخدام أدوات حادة، أو الرسم المباشر بالأكاسيد الطبيعية، سواء تحت طبقة الطلاء الزجاجي (Under Glaze) أو فوقها (Over Glaze)، تمر القطعة بعدة مراحل حرق، لتخرج في النهاية بلمعانها المميز وقوتها التي تجعلها صالحة للاستخدام والزينة معًا.
60 ورشة و50% سيدات.. اقتصاد قائم على الإبداع
رغم أن عدد سكان قرية تونس لا يتجاوز ثلاثة آلاف نسمة، فإنها تضم نحو 60 ورشة خزف، يعمل في كل منها ما لا يقل عن خمسة أفراد، وتشكل السيدات ما يقارب 50% من القوة العاملة، سواء كفنانات أو صاحبات ورش مستقلة، في نموذج اقتصادي يعتمد على تمكين المرأة والأسرة.
خلال الإجازات المدرسية، تمتلئ الورش بالأطفال الذين يتعلمون أصول المهنة خطوة بخطوة، لا تقتصر العملية على مهارة يدوية، بل هي مسار طويل من التعلم المستمر، يكتسب فيه الطفل خبرة متراكمة مع كل مرحلة من مراحل التصنيع، ليصبح لاحقًا فنانًا يحمل هوية القرية وروحها.