عشوائية تحكم الوساطة العقارية ومطالب بهيئة مستقلة فورًا| تقرير
تشهد سوق الوساطة العقارية في مصر حالة من الجدل المتصاعد عقب القرارات الأخيرة الصادرة عن وزارة الاستثمار بشأن تصنيف شركات الوساطة العقارية، في وقت تؤكد فيه قيادات التسويق والتطوير أن ما جرى لا يمثل تنظيمًا حقيقيًا للسوق بقدر ما هو إجراء شكلي لا يعالج جذور الأزمة.
ويرى مسؤولون في القطاع أن السوق لا يزال يعاني من عشوائية واسعة، في ظل غياب منظومة رقابية ومهنية واضحة تضبط إيقاع المهنة، وتمنع دخول غير المؤهلين إلى نشاط يتعامل مع أصول بملايين الجنيهات، دون اشتراطات صارمة للتأهيل أو الترخيص أو التدريب.
رضا المنشاوي: سجل للقيد لا يصنع تنظيمًا
يؤكد رضا المنشاوي، رئيس قطاع المبيعات بشركة ديارنا للتسويق العقاري وسكرتير الجمعية المصرية للتسويق العقاري، أن السوق يعاني من غياب شبه كامل للتنظيم، معتبرًا أن القرارات الأخيرة لا ترقى إلى مستوى ضبط حقيقي للمنظومة.
وأوضح أن ما تم تطبيقه يقتصر على إنشاء سجل أو جدول لقيد الوسطاء وفقًا لرأس المال، وهو إجراء وصفه بـ«الشكلي»، خاصة في ظل سهولة تعديل رأس المال دون وجود معايير مهنية أو رقابية فعلية تقيس الكفاءة أو الخبرة.
وأشار إلى أن الأزمة الأعمق تكمن في غياب إلزام واضح للمطورين والعملاء بالتعامل مع الشركات المسجلة، ما يجعل الوسيط الطرف الوحيد المعرض للمساءلة، دون وجود آليات تحمي حقه في العمولة أو تضمن توقيع عقود السمسرة بشكل رسمي وملزم.
وشدد المنشاوي على ضرورة إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الوساطة العقارية، تكون لها صلاحيات إصدار التراخيص، ومراقبة الأداء، ومعاقبة المخالفين، مع وضع قواعد واضحة لتوثيق العمولات داخل عقود البيع، بما يضمن الشفافية ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
وأكد أن تنظيم السوق لن يرفع أسعار العقارات، نظرًا لمحدودية نسبة العمولة من السعر النهائي، لكنه سيرفع جودة الخدمة ويعزز «برستيج» العقار المصري، ويدعم قدرته على المنافسة داخليًا وخارجيًا.
علاء الشيخ: التصنيف خطوة إيجابية.. لكنها غير كافية
من جانبه، قال علاء الشيخ، رئيس القطاع التجاري بشركة تسلا للتطوير العقاري، إن السوق لا يزال يفتقر إلى تنظيم شامل، رغم أن قرارات تصنيف الوسطاء إلى أربع فئات تُعد خطوة في الاتجاه الصحيح.
وأوضح أن العشوائية الحالية سمحت بدخول أفراد غير مؤهلين إلى المجال، ما أدى إلى انتشار معلومات مغلوطة وإرشادات غير مهنية أضرت بثقة العملاء في السوق العقاري.
ودعا الشيخ، إلى إنشاء مراكز تدريب معتمدة تمنح رخص مزاولة المهنة بعد اجتياز برامج واضحة تشمل الجوانب القانونية والتنظيمية، مؤكدًا ضرورة عدم السماح لأي شخص بممارسة الوساطة دون ترخيص رسمي.
كما طالب بتنظيم العمولات وإدراجها في عقود البيع، لافتًا إلى أن بعض الحالات شهدت تضخمًا في نسب العمولات لتصل إلى 12% و15%، ما أدى إلى توجيه بعض الوسطاء العملاء نحو المشروعات الأعلى عمولة بدلًا من الأنسب لهم.
وأكد أن وجود جهة رقابية مستقلة تتلقى شكاوى العملاء وتمتلك صلاحية إيقاف المخالفين سيعيد الانضباط والثقة للسوق.
رياض العادلي: تنظيم الوسيط لا يقل أهمية عن تنظيم المطور
بدوره، قال المهندس رياض العادلي، رئيس مجلس إدارة شركة «نكست دور» للتسويق العقاري، إن تصنيف شركات الوساطة يمثل خطوة مبدئية، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة المتمثل في غياب التأهيل المهني والتراخيص الرسمية.
وأشار إلى أن غالبية العاملين في القطاع غير مؤهلين بالشكل الكافي، وبعضهم غير مؤمن عليهم، رغم تعاملهم في أصول مرتفعة القيمة، مؤكدًا أن الوسيط في أي سوق منظم لا يُسمح له بالعمل دون اجتياز اختبارات مهنية وقانونية واضحة.
وطالب العادلي، بإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقاري، إلى جانب تأسيس اتحاد للوسطاء العقاريين يخضع لرقابة الدولة، مع تصنيفات واضحة للأنشطة (بيع أولي، إعادة بيع، إيجارات)، وإلزام جميع العاملين بالحصول على تراخيص رسمية.
وأضاف أن أكثر من 80% من عمليات البيع في السوق العقاري تتم عبر المسوقين، ما يبرز أهمية دورهم في المنظومة، مؤكدًا أن تنظيمهم سيؤدي إلى ضبط السوق بالكامل، وتقليل النزاعات، وتعزيز الثقة، وزيادة الحصيلة الضريبية.
بين الشكل والمضمون
وتجمع آراء قيادات القطاع على أن التنظيم الحقيقي لا يقتصر على جداول قيد وتصنيفات مالية، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل:
هيئة رقابية مستقلة بصلاحيات واضحة
تراخيص إلزامية واجتياز اختبارات مهنية
تنظيم وتوثيق العمولات بعقود رسمية
إلزام المطورين والعملاء بالتعامل مع كيانات مسجلة
آليات لحماية حقوق الوسيط والعميل معًا
ويرى الخبرا، أن اكتمال هذه المنظومة لن يكون عبئًا على السوق، بل خطوة ضرورية لضبط صناعة تتعامل مع أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، بما يعزز الثقة في العقار المصري ويدعم قدرته على جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام.