رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

في حديثه مع تاكر كارلسون (البودكاستر الأمريكي الشهير)، فاجأ مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، الجميع، وتحديداً المنطقة العربية والشرق الأوسط، باعتقاده الراسخ ويقينه المتأصل في حق دولة الكيان الإسرائيلي بتوسيع رقعتها الجيوسياسية، لتتمدد شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، أماماً وخلفاً، أسفل وأعلى! تتمدد لتعلن قيامها "الأكبر"، استناداً إلى عبارات وردت في سفر التكوين بالعهد القديم، فيما يعتقده هو ويعتقدونه هم مبرراً دينياً لامتلاك هذه الرقعة الواسعة من الأرض، التي ستشمل -بالإضافة إلى فلسطين المحتلة- أجزاءً من السعودية، مصر، سوريا، العراق، لبنان، وكذلك الأردن! هكذا وبكل بساطة قالها مايك هاكابي، قالها دون أن يعبأ حتى بمكانته الوظيفية كسفير للولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل، مكانته التي من المفترض أن تلزمه بالتريث قبل الحديث وتلجم لسانه قبل أن ينفلت منه أي تصريح. فكلام كبار السياسيين ذوي المناصب العليا، ومنهم السفراء، ليس للاستهلاك المحلي، ولا لجس النبض الدولي أو الإقليمي، ولا تنطلق تصريحاتهم على سبيل الدعابة، ولا يصح أن تندرج تحت حالة غضب أو انفلات أعصاب، ولا ولا إلى ما لا نهاية... إذن، ماذا يمكن أن نستخلصه من أقوال ذلك "الهاكابي"؟

 

الرجل لم يترك مساحة كبيرة للسياسيين والمتابعين والمهتمين في أن يقدروا موقفه إلا من خلال إطارين لا ثالث لهما: الإطار الأول: أن يكون لسان هاكابي قد انفلت، فنطق كفراً وقال ما قال، بدافع عنوة ونشوة، وبتلقائية اختلطت فيها مشاعره الداخلية بمعتقدات دينية يهودية محرفة، تناغمت مع مسيحيته المتصهينة، فكانت النتيجة تصريحات سياسية لا تتجاوز أن توصف بالمأساوية، تثير لدى من يسمعها حالة مختلطة بين الشفقة والغثيان. وهنا يصبح هاكابي مسؤولاً أمام المجتمع الدولي والشرق الأوسط وكل الدول العربية، وكذلك أمام الإدارة الأمريكية، عن الإهمال والضعف السياسي، وعدم إدراك زمام مسؤولياته الوظيفية، وتكدير الرأي العام العربي والإقليمي، وإثارة البلبلة الفارغة في توقيت لا أخطر ولا أكثر حساسية منه شهدته منطقة الشرق الأوسط منذ ما يقرب من ٨٠ عاماً. وقد أصبح لزاماً على الإدارة الأمريكية أن تتصرف بسرعة حيال هذا السفير ذي السمات السيكوشخصية التلقائية المنفلتة، السريعة في إطلاق العبارات السياسية غير محسوبة العواقب ولا التوابع. وأقل ما يمكن أن تتخذه الإدارة الأمريكية حيال ما حدث هو إنهاء وظيفة هذا الرجل سريع التصريحات السياسية العبثية، قبل أن ينفك لسانه في جولة أخرى وينطق بما لا تحمد عقباه مرة ثانية. فهاكابي يضر بموقف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر وسلبي جداً. فتصريحاته أتت بعد يوم واحد فقط من انعقاد الجلسة الأولى لمجلس السلام الدولي بواشنطن، التي رأسها دونالد ترامب شخصياً، معلناً من خلالها المضي في حل "كارثة غزة" وجعلها مكاناً أجمل لسكانها بالمستقبل القريب، وأنه سيؤمنها بقوات دولية مؤقتة من دول العالم، وسيعيد إعمارها بشكل حديث متطور رائع الجمال، وأنه سيجمع لها مليارات الإعمار من كل دول العالم المحبة لغزة والمحبة للسلام، وأنه بالفعل سينهي هذه الكارثة بما يرضي الفلسطينيين سواء بالقطاع أو بالضفة. نعم، بالضفة، فالرئيس دونالد ترامب هو الذي قال بنفسه إنه لن يوافق لإسرائيل على ضم الضفة، قال ذلك أمام الصحافة العالمية في أكتوبر ٢٠٢٥. إذن، وهل في كل هذا السعي للسلام يصح للهاكابي أن يقول ما قال أمام الجميع، يقول ما يتنافى مع توجهات قيادته ويأتي ضدها بالشكل الصريح؟ أخفق مايك هاكابي، أخفق وسقط في هوة سياسية حفرتها كلماته.

 

أما الإطار الثاني: فهو أن يكون هاكابي قد نطق بتصريحاته في إطار: "أنا أعرف ما أقول، وأقوله دون تجاوز للأطر السياسية التي أعمل من خلالها... فأنا سياسي قديم مخضرم محترف، وإدارتي التي أرسلتني تثق بي، وأنا ملتزم بتوجهاتها ولا أتخطاها أبداً، ولا يمكنني أن أتحرك ضدها". ومن هنا، فالأمر قد أصبح صعباً ومعقداً للغاية (وإن كان هذا الإطار مستبعداً نسبياً). هذا الافتراض يمرر فكرة وجود رؤية وتصور أمريكي في إيجاد حل للتهدئة بالقطاع وإنهاء كارثة الحرب بشكل نهائي مع إعادة الإعمار، لكنه أيضاً يضع في أذهان المفكرين عدم اكتمال الحل بقيام الدولة الفلسطينية! فكيف تقوم بينما سفير أمريكا في إسرائيل يتحدث عن أن الضفة الغربية اسمها "يهودا والسامرة"، وأن من حق إسرائيل توسعة أراضيها وإعلان دولتها الأكبر (بمعنى لا فلسطين ولا البلدان العربية حتى بشكلها الحالي). وما جعل الكثيرين من المتابعين يقولون إن كلام هاكابي متفق عليه مع إدارته، هو حدث نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في ٢٠١٧ بقناعات وموافقة نفس رئيس الإدارة الحالي في ٢٠٢٦. الأمر الذي يترك في أذهان الكثيرين أن مخططاً ما، ضخماً وجماً، يحدث تدريجياً وبإيقاع منتظم هادئ، وإن كان بشكل بطيء نسبياً... مخطط يتم من خلاله تعديل وتغيير وتبديل وتخليق وتشكيل واقع سياسي جيوبوليتيكي وديموغرافي جديد في إقليم الشرق الأوسط والوطن العربي، يبدأ من قلب فلسطين المحتلة ليمتد تدريجياً إلى خارج محيطها شيئاً فشيئاً، في إطار زمني لعدد من السنوات تمتد من حيز المستقبل القريب إلى المتوسط، ليعاد فيها وضع نظام جديد للإقليم، نظام تختلف فيه أشكال الدول وأحجامها، أهدافها وأدوارها، قوتها ومقدراتها. ولتأسيس هذا النظام الجديد للشرق الأوسط، لابد من إشعال حرب مع إيران، وضرب بلدان مثل العراق واليمن ولبنان، والتحكم في مصادر النفط ومشتقاته بالخليج العربي، وامتلاك هرمز وخليج عدن وباب المندب، واللعب مع الشرق الأقصى (الصين) بحرفية عالية وكبت تطلعاتها وتطوراتها الاقتصادية والصناعية، ومن ورائها روسيا الاتحادية، ثم إلى ما بعدها وهكذا.

 

ولذلك، فإن بيان الخارجية المصرية الصادر سريعاً بتاريخ ١٩ يناير ٢٠٢٦، والمُندِّد بترهات هاكابي، كان محترفاً صلباً وحاسماً لأعلى درجة. فإضافة لاستهجان ورفض ما ورد على لسان السفير، فقد احتمل البيان بفقرته الأخيرة خلاصة القول بفصل اللغط عن الجد. فقد ورد نصاً: "تأكيد مصر على أنه لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي، ورفض مصر القاطع لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، ورفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة..." البيان واضح وضوح الصخور في الماء النقي، لا يخبئ شيئاً بين السطور، ولا يترك ثغراً لهاكابي ومن وراءه في أن يدركوا أن ما قاله السفير لا يتجاوز محض هلاوس لفكر عابث، فبئس القول قول بائس.

 

اللواء أسامة كبير، المستشار بكلية القادة والأركان والمتخصص العسكري

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء