رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكاية ساعة قبل الفطار.. مائدة من هواء

حكاية ساعة قبل الفطار..
حكاية ساعة قبل الفطار.. مائدة من هواء

مع اقتراب أذان المغرب، ومع تلك اللحظات التي تتوقف فيها الأنفاس قليلًا، وتصبح التفاصيل الصغيرة أمام أعيننا أكثر وضوحًا، تبدأ سحرية رمضان.. رائحة الخبز الساخن تتسلل من البيوت، وأصوات الأطفال في الشوارع تختلط بصوت الملاعق على الطاولات، وكل شيء يصبح مشبعًا بالشوق والحنين، وكأن الزمن يبطئ خطواته لتترك القلوب مساحة لتدرك اللحظة.

في سلسلة “حكاية ساعة قبل الفطار”، نحاول أن نرصد تلك اللحظات العابرة قبل الإفطار، حيث تختلط البراءة بالغموض، والجوع بالخيال، والواقع بالحلم. كل قصة تحمل لحظة صغيرة لكنها غنية بالذكريات والدروس الإنسانية، عن صبر ومرح، عن مشاركة وفرح، وعن التفاصيل التي تجعل من رمضان موسمًا مميزًا في ذاكرة كل واحد منا.

واليوم نقدم لكم القصة الرابعة في السلسلة، «مائدة من هواء»، حيث يرافقنا طفلَين صغيرَين على ضفاف الترعة، في رحلة قصيرة قبل الإفطار، تتحول فيها الجوع والاحتياج إلى لعبة، والخيال إلى مائدة كاملة، يملؤها الدفء والضحك والبراءة.

مائدة من هواء

هنا، على الأرض الترابية، بين الأشجار والماء، ومع غروب الشمس البعيد، نشهد كيف يستطيع القلب الصغير أن يخلق فرحًا من لا شيء، وكيف تتحول أبسط الأشياء إلى لحظات لا تُنسى، وتصبح ساعة قبل الفطار أكثر من مجرد انتظار للمدفع… إنها تجربة حقيقية للطفولة، للخيال، ولرمضان نفسه.

أمسكت الكبرى بورقة من شجرة كافور ودعكتها بين يديها. شمتها وانتعشت.
هل كان ما تراه الآن موجودًا حين أتت من هذا الطريق منذ ساعتين؟
إذا كان كذلك، فكيف لم تره؟ هل مر وقت طويل بما يكفي لتخرج من الأرض ترعة كهذه، تنمو على جانبيها الحشائش والأشجار؟

لابد أن تسرع بالعودة قبل أن ينطلق مدفع الإفطار، هكذا قال لها أبوها.. لا تستطيع أختها الصغيرة التي لم تبلغ السابعة أن تحميها في هذا الفراغ، ولا تستطيع هي التي في الثانية عشرة أن تحمي أختها. ربما لهذا يبدو أبوها حزينًا لأنه لم ينجب الولد بعد، لكن أختها الصغرى توقفت وقالت:
— تعبت.
جلستا تحت شجرة كثيفة الأوراق، ورأت الكبرى الشمس تبتعد عن الدنيا، وطرف السماء عند الأفق يلتهب. قالت الصغرى:
— حنرجع نقول إيه لبابا وماما؟
لم ترد الكبرى، لكنها لاحظت على الضفة الأخرى من الترعة بيوتًا تنتصب فجأة أمامها، لكنها كلها موصدة الأبواب ولا يصدر عنها صوت. قالت لأختها الصغرى:
— شايفة اللي أنا شايفاه؟
ردت الصغرى:
— أنا مش شايفة حاجة غير الترعة والشجر.
— فيه بيوت قدامك أهه بس مقفولة.
— انتي جعانة، وزبي بتحلمي… مافيش حاجة.
ولم تنس الكبري أن ترصد البط والوز في الماء. قالت للصغرى:
— انتي ليه جبتينا من السكة دي؟
— ما عرفش غيرها… بابا بياخدني معاه لما يزور عمي. بيقول أقرب.
— أنا سمعت مرات عمي بتكلم عمي في الأوضة اللي جوة…
— أنا كمان… ليه قالت مش موجود؟ يعني علشان بابا بعتنا نستلف منه فلوس! دي حتى ما قالتلناش اقعدوا افطروا معانا. قالت لنا مع السلامة علشان تفطروا مع بابا وماما وما يقلقوش عليكم.

ضحكت الصغرى، ثم قالت في ضيق:
— يعني ما تعرفش إن مافيش أكل في البيت، وإن احنا جينا نستلف الفلوس علشان نشتري فطار!
تركتها الكبرى واتجهت إلى الترعة، راصدة البط السابح في الماء. ولما رأت بطة تغطس منقارها في الماء وترفعه وقد علق به سمكة صغيرة، ضحكت وهتفت:
— تعالي شوفي البط بيطلع سمك من المية وياكله!
لكن الصغرى لم تتحرك، فجلست الكبرى جوارها على الأرض. قالت الصغرى:
— الدنيا بتضلم وانتي بتشوفي حاجات غريبة… المدفع ضرب ولا فطر ناش؟
فكرت الكبرى لحظة وقالت:
— جعانة؟ حاموت من الجوع.
ضحكت الكبرى وقالت:
— حاكلك أكل عمرك ما أكلتيه.
واستمرت الكبري بإصبعها ترسم دائرة كبيرة على الأرض الترابية:
— دي طبلية… نفسك تاكلي إيه؟
لم ترد الصغرى، فاستمرت الكبرى في الرسم، وصنعت دائرة صغيرة داخل الدائرة الكبيرة:
— دا طبق ملوخية.

انطلقت الصغرى ضاحكة، فاستمرت الكبرى في رسم دوائر صغيرة أخرى:
— وده عيش… شوفي كتير قد إيه.
ضحكت الصغرى وقالت:
— الملوخية عايزة رز.
رسمت الكبرى دائرة ثانية:
— ودا ياستي طبق رز… عايزة لحمة؟
قالت الصغرى بشغف:
— فرخة.

رسمت الكبرى ما يشبه الدجاجة:
— آدي الفرخة… قطعي منها زي ما انتي عايزة.
ضحكت الصغرى ضحكة صافية:
— دا ما فيش معلقة.

قالت الكبرى:
— كلي بإيدك النهاردة… معلش.
وبدأت الصغيرتان تتناولان من الدوائر المرسومة على التراب، مستمتعتين ومضحكتين. ثم استلقت الكبرى على ظهرها وقالت:
— شبعت أوي… إنتي لسة جعانة؟
تمددت الصغرى جوارها وقالت:
— شبعت خالص… أشيل الطبلية والصحون؟
قالت الكبرى:
— خليها شوية… يمكن حد يعدي جعان يلاقي حاجة ياكلها… يلا بينا نروح… الحسن زمان… بابا وماما قاعدين قلقانين علينا.
نهضتا ضاحكتين، وأسرعتا في المشي، ثم توقفت الكبرى وأمسكت بزراع الصغرى:
— صعبان عليا أوي… بابا وماما مش حيعرفوا يعملوا زينا وياكلوا.
واندفعا معًا في بكاء أليم، ما لبث أن تحول إلى ضحك بهيج، وهم يقتربون من البيت قبل لحظة الإفطار، حاملين معهم فرحة صغيرة وذكريات كبيرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء