رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إصدار جديد لهيئة الكتاب يوثق تراث الجنوب الليبي في براكيوم

 تراث الجنوب الليبي
تراث الجنوب الليبي في براكيوم

أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «الثقافة الشعبية»، كتابًا جديدًا بعنوان «براكيوم في الثقافة الشعبية الليبية» للباحثة الليبية فاطمة غندور، وهو عمل أكاديمي رائد يوثق جانبًا مهمًا من التراث الشعبي في الجنوب الليبي، ويكشف عن ثراء وتنوع هذا التراث في سياقاته التاريخية والاجتماعية والبيئية.

ويعد الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم العادات اليومية والطقوس الشعبية والذاكرة الجمعية لسكان منطقة براك، حيث يعرض الباحثة نماذج من الشعر والأغاني والحكايات الشعبية، إلى جانب العادات الاجتماعية وأدوار الرجل والمرأة في المجتمع المحلي، موضحة كيف ساهم التنوع البيئي والجغرافي والثقافي في تكوين شخصية المجتمع الليبي المحلي.

تنوع ثقافي

يتناول الكتاب مظاهر التراث الشفاهي والمادي في ليبيا، مسلطًا الضوء على التنوع البيئي بين الساحل والجبال والواحات والصحراء، وكيف انعكس هذا التنوع على أنماط العيش والعادات والمعتقدات والممارسات الاجتماعية اليومية.

كما يرصد الكتاب المكونات السكانية المختلفة من طوارق وتبو وأمازيغ ويهود وغيرهم، مشيرًا إلى أن هذا التنوع أثّر في اللهجات والموروث الشعبي والمنتجات الثقافية، لكنه يظل ضمن إطار جامع يجمع بين عناصر مشتركة تعكس الهوية الوطنية العامة. ويقدم الكتاب تحليلاً موسعًا لكيفية تأثير الهجرة والمصاهرة والتجارة بين الواحات على تكوين العادات والتقاليد الشعبية.

جذور تاريخية

يتوقف العمل عند أثر الحقب التاريخية المتعاقبة على ليبيا، بدءًا من العصور الفينيقية والإغريقية والرومانية، مرورًا بالعهد العثماني والفتح الإسلامي وهجرة بني هلال وسليم، وصولًا إلى فترات الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي.

ويشرح الكتاب كيف تركت كل مرحلة أثرها في الذاكرة الشعبية، سواء من خلال الحكايات أو الأمثال أو الأنماط المعيشية اليومية، مع إبراز تأثير تلك الأحداث التاريخية في بناء الهوية الثقافية للمجتمع المحلي، وإظهار المقاومة الشعبية ودورها في الحفاظ على التراث المحلي أمام التحديات المختلفة.

واحة براكيو

اتخذت الباحثة من واحة «براكيوم» عنوانًا للكتاب، وهي الاسم القديم لواحة براك جنوب ليبيا، التي وصفها المؤرخان هيرودوت وبليني الأكبر بأنها أرض العيون والمياه الجارية.

واستعرض الكتاب مكانة الواحة الاقتصادية والاجتماعية، مشيرًا إلى دورها كمركز إداري لإقليم وادي الشاطئ، واشتهارها بزراعة النخيل ومزارعها الغنية، فضلاً عن كونها مركزًا مهمًا لتجارة القوافل واستقبال الزائرين والخبراء المحليين والدوليين.

ويبرز الكتاب كيف شكّلت الواحة بيئة مثالية لتكوين ذاكرة مجتمعية حية ارتبطت بالتاريخ المحلي والأنشطة اليومية، بما في ذلك الطقوس والاحتفالات الدينية والوطنية.

مقاومة وطنية

كما يتناول الكتاب محطات من تاريخ المقاومة الليبية خلال الاحتلال الإيطالي (1912–1939) وما شهدته المنطقة من بطولات شعبية، إلى جانب مواجهتها للقوات الفرنسية حتى عام 1954، وكذلك صراعاتها في العهد القرمانلي عندما تمرد الجنوب ضد سياسات فرض الضرائب والمكوس.

ويؤكد الكتاب أن هذه الأحداث التاريخية انعكست بشكل مباشر في الحكايات الشعبية، وخلقت ذاكرة وطنية تتضمن دروسًا في الصمود والمثابرة، الأمر الذي يجعل الدراسة وثيقة أساسية لفهم العلاقة بين التاريخ والسياسة والتراث الشعبي المحلي في منطقة الجنوب الليبي.

بحث ميداني

يمثل الكتاب خطوة رائدة في الدراسات الأكاديمية، إذ تُعد منطقة براكيوم أول منطقة في الجنوب الليبي تدخل نطاق الدراسات الجامعية المتخصصة في التراث الشعبي اللامادي.

وقد اعتمدت الباحثة منهجًا أنثروبولوجيًا سوسيولوجيًا، مع جمع الحكايات من الراويات الشعبيات في مقاطعات براك الأربع: القصر، الزاوية، العافية، والمصلى، وتحليلها ضمن سياقاتها الاجتماعية والثقافية، مع التركيز على الطقوس الدينية مثل الحج وعيد الأضحى.

ويشير الكتاب إلى شخصيات الراويات باعتبارهن حافظات للذاكرة الجمعية، ما يعكس أهمية البحث الميداني في حفظ التراث الشعبي من الاندثار.

يضم الكتاب نماذج متنوعة من الشعر والأغاني والأمثال والألغاز والحكايات، إضافة إلى استعراض العادات والمهن وأدوار الرجال والنساء في الحياة اليومية، مستندًا إلى جهود الباحثين الليبيين الرائدين في مجال الفلكلور.

ويؤكد الكتاب على الحاجة الماسة لتأسيس الدراسات المؤسسية للتراث الشعبي في ليبيا، حتى لا تتحول الذاكرة الجماعية إلى فراغ مقلق في وجدان المجتمع، مع دعوة لتكثيف جهود التوثيق والنشر لضمان استمرارية المعرفة وحفظ الهوية الثقافية للأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء