قد يتساءل البعض لماذا أكتب عن التحرش ونحن في بدايات شهر رمضان الفضيل الذي يحض على العبادة والتقوى والإحسان.. ورغم ذلك فإنني أرى أن هذه القضية وهذا السلوك ما زال قائمًا حتى خلال هذا الشهر الكريم، حيث التجمعات والاحتفالات واللقاءات التي تجمع الشباب من الجنسين والتي تمتد إلى موعد أذان الفجر، وقد لاحظت بنفسي مدى المضايقات والمناوشات والتحرشات بين العديد منهم مع الفتيات اللاتي يتواجدن في تلك اللقاءات، معربات عن اعتراضهن على ذلك إلا إنهن لا يستطعن الشكوى علانية تحسبًا من تعرضهن لمضايقات أكثر أو السخرية من المحيطين بهن.
سبق أن كتبنا كثيرًا وشاركنا في العديد من الندوات التي تناقش هذا الموضوع، ولكن للأسف أطلت علينا بعض الحالات مؤخرًا بشكل جعلها أقرب للوباء، نقاومه ثم تضعف المناعة فيعود من جديد، وهكذا صعودًا وهبوطًا دون أن ننجح في التخلص منه نهائيًا.
وعلى الرغم من أن هذا الموضوع ليس جديدًا على المجتمع المصري، حيث وُجدت شكاوى منه منذ زمن بعيد، إلا إنه لم يكن بهذه الجرأة وتلك الأساليب، ويؤسفني القول إن تلك الظاهرة قد أخذت طريقها للزيادة والتنوع أثناء أحداث يناير 2011، حيث كانت التجمعات الشبابية تنصب الخيام في الميادين ويبيتون بها حتى صباح اليوم التالي، وكان مفهومًا في هذا الوقت أن هناك عناصر متطرفة تسعى إلى منع المرأة من القيام بأي دور لها، وهو ما اعتُبر حينذاك تحرشًا سياسيًا، خاصة عندما اكتشف الجميع إنهم ضحايا للكذب والخداع الذي مارسته عليهم جماعة الإخوان الإرهابية، فحاولوا التصدي لعناصرهم في تلك الميادين، إلا أن تلك العناصر كانت تواجههم بأقذر الأساليب وأفظع الشتائم.
وعلى الرغم من تعديل القانون الذي يتعلق بهذه الظاهرة، والتي من خلاله تحولت الجنحة إلى جناية لكل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل أو بأي وسيلة أخرى.... إلا إننا لاحظنا تكرار تلك الوقائع وهذه الجرائم، حيث يشجعهم في ذلك تقاعس المجني عليهن عن الإبلاغ عنهم تحسبًا للمشاكل أو أن ينظر إليهن المجتمع نظرة سلبية، وهو اعتقاد خاطئ من وجهة نظري، لأننا لاحظنا كمّ التفاعل والتعاطف والتأييد لكل فتاة قامت بالإبلاغ عما تعرضت له، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا إحدى أهم أدوات نشر المعلومة وتحريك الرأي العام ضد المتحرش أيًا كان مركزه أو مكانته دون النظر إلى وضعه الاجتماعي.
حاول البعض أن يقرن ذلك بطريقة اختيار الفتيات لملابسهن أو الإسراف في زينتهن واعتبار ذلك مبررًا للتعرض لهن في محاولة للدفاع عن الجناة لإيجاد العذر لجريمتهم، بل ويعطونه مسوغًا شرعيًا ومبررًا لتصرفاته، ومن ثم دفع المجني عليها إلى مشاركة الجاني في جريمته، وهنا يتساوى الظالم والمظلوم، وهو ما يحاول أصحاب الفكر السلفي ترويجه بين الشباب، حتى إن أحد مشايخهم قرر أن مبالغة المرأة في تبرجها هو إلحاح منها على عرض نفسها على الرجل.... والواقع إنني لا أعلم من نصب هؤلاء ليكونوا حكماء وقضاة على أي امرأة... ولكنني في ذات الوقت أرفض الابتذال في مظهر الفتاة وتماديها في ارتداء ملابس لا تليق بمجتمعنا الشرقي وتتحرك به في الطرق العامة ووسائل المواصلات، بل يجب أن تراعي أن هناك أزياء لا يتم ارتداؤها إلا عند ممارسة الرياضة مثلًا أو على الشواطئ أو في لقاءات لا تضم سوى فتيات من الأصدقاء... ومن هنا فإننا نرفض التعويل على العوامل الاقتصادية والمادية وحدها كمبرر لتلك التجاوزات، فهناك عوامل أخرى اجتماعية ونفسية نتيجة البطالة والفراغ الذي يعيشه الشباب وتأخر سن الزواج، بيد أن وقائع التحرش التي رأيناها مؤخرًا تؤكد أن الفقر ليس هو العامل الرئيسي لذلك، حيث وجدنا فئات من المثقفين والأكاديميين يمارسون تلك الجريمة بأشكال وأساليب مختلفة سواء بالألفاظ أو الوعود أو من خلال وسائل التواصل، والتي قد تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك.
لعل اختياري لطرح هذا الموضوع خلال الشهر الكريم الذي يدعو إلى التقوى يكون نداءً ومناشدة للشباب من الجنسين، وأنا أرى هذا العدد الكبير منهم يؤدون صلاة التراويح ثم ينطلقون إلى التجمعات الشبابية، وأدعوهم أن يجعلوا منه مناسبة لإعادة النظر في هذا الوباء الجامح، وأن نحترم مشاعر الأخريات ونقدر رغبتهن في رفض ذلك وحقهن في الاحتفال بهذا الشهر الكريم دون تعرضهن لمضايقات أو تحرشات.... وفي ذات الوقت أطالب الأسرة المصرية بكبح جماح بناتهن في ارتداء ملابس لا تليق بمجتمعنا بغرض لفت الأنظار أو الإثارة، مع تقديم الدعم المعنوي لهن حال تعرضهن لتحرشات فجة وتشجيعهن على الإبلاغ عن أي واقعة يتعرضن لها، وأن تقوم أجهزة الإعلام، ولو من خلال مئات الإعلانات التي نشاهدها على القنوات المتعددة خلال شهر رمضان، بتخصيص دقائق معدودة للتصدي لتلك الظاهرة لما لها من تداعيات سلبية على المجتمع... وأن تقوم أجهزة الشرطة والدوريات المتحركة والشرطة النسائية بمراقبة التجمعات الشبابية في الميادين المختلفة لضبط الأساليب الخارجة عن القانون والتي تخدش الحياء العام....
نريد أن يكون شهر رمضان بداية للقضاء على الظواهر التي تسيء للإسلام وتنشر الخوف والفزع بين الناس، وأن يكون فرصة للشباب لإعادة النظر في سلوكهم المنحرف وأن يعودوا إلى صحيح الدين الذي يحض على مكارم الأخلاق...... ورمضان كريم.