رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تمر المنطقة العربية اليوم بواحدة من أخطر المنعطفات التاريخية منذ اتفاقية "سايكس بيكو"، غير أن الفارق هذه المرة يكمن في "علنية المخطط". لقد انتهى زمن الغرف المغلقة والمناورات الدبلوماسية المستترة؛ فنحن اليوم أمام "مشروع صهيو-أمريكي" يتحدث بتبجح غير مسبوق عن إعادة رسم الخرائط، وضم الأراضي، وتفتيت الكيانات الوطنية. وفي مقابل هذا الاندفاع العنيف، تبدو لغة "الشجب والاستنكار" العربية الرسمية وكأنها صدى صوت لزمنٍ مضى، لم يعد يواكب تسارع الأحداث التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء.

سقوط ورقة التوت.. الإدانة كأداة للعجز

لقد أثبتت الوقائع الأخيرة أن "الإدانة" كفعل سياسي وحيد لم تعد تجدي نفعًا، بل أصبحت تُفسَّر من قبل المحور الصهيو-أمريكي كضوء أخضر للاستمرار. عندما يتحول التعدي على السيادة الوطنية إلى ممارسة يومية، وعندما يُعلن قادة الاحتلال بوضوح عن نواياهم في ضم أجزاء من الضفة الغربية أو التدخل في شؤون دول الجوار، فإن إصدار "بيان إدانة" ورقي هو في الحقيقة إقرار ضمني بالعجز الاستراتيجي. إن ما نواجهه اليوم هو "إبادة سياسية" تهدف لمحو الهوية الوطنية العربية واستبدالها بهوية "شرق أوسطية" تكون اليد العليا فيها لإسرائيل.

إيران.. حجر الزاوية في مخطط الإخضاع الشامل

لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن السعي المحموم لضرب إيران وتفكيك نفوذها. وبعيدًا عن الحسابات الطائفية أو الخلافات البينية، يجب إدراك أن استهداف طهران في هذه اللحظة يمثل "حجر الزاوية" في استراتيجية إخضاع المنطقة. الهدف ليس حماية أمن الخليج أو استقرار المنطقة كما يُروَّج، بل هو تفريغ الشرق الأوسط من أي "قوة موازنة" تمتلك أدوات الردع. إن تصفية القوى الإقليمية الرافضة للهيمنة يعني بالضرورة تحويل العواصم العربية إلى ساحات مفتوحة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت "الشرطي الوحيد" للمنطقة.

نقاط الانفجار.. قراءة في أبعاد المخطط وتجاوز الخطوط الحمراء

تتمثل أولى تجليات هذا التجاوز الخطير في محاولة فرض استراتيجية "الإبادة السياسية" للقضية الفلسطينية؛ فالمشهد اليوم لم يعد صراعًا على ترسيم حدود أو مفاوضات حول وضع قانوني، بل هو سعي حثيث لتصفية القضية من جذورها. يهدف المخطط الصهيو-أمريكي إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي قسري، ينهي تمامًا فكرة "الدولة الفلسطينية" المستقلة، ويحولها إلى كانتونات معزولة ومقطعة الأوصال تحت وصاية أمنية مطلقة. إن شرعنة ضم الأراضي والتلويح العلني بالتهجير ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل هو طعنة في قلب الأمن القومي العربي، تهدف لتحويل شعب صاحب حق إلى مجرد "مشكلة سكانية" بلا هوية سياسية.

وعلى صعيد آخر، يتجلى التبجح الصهيوني في استباحة مفهوم "الدولة الوطنية العربية" وضرب قدسية حدودها المعترف بها. إن الحديث المتصاعد عن توسيع نفوذ "إسرائيل الكبرى" وضم أراضٍ جديدة في دول الجوار ليس مجرد دعاية انتخابية عابرة، بل هو صلب العقيدة السياسية التي تسعى لإعادة رسم خرائط المنطقة بالدم. إن الصمت العربي أو الاكتفاء بالتنديد تجاه هذه التحركات يمنح المحتل ضوءًا أخضر لتحويل المنطقة إلى ساحة مستباحة تُعاد صياغة جغرافيتها وفقًا للمصالح الاستعمارية، مما يهدد بتفكيك استقرار العواصم العربية واحدة تلو الأخرى، وتحويل الدول الكبرى إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة المتناحرة.

أما البعد الأكثر خطورة، فيكمن في محاولة هندسة "تبعية شاملة" تتجاوز المواجهة العسكرية لتصل إلى استعمار رقمي واقتصادي وهيكلي. يسعى المشروع "الشرق أوسطي" الجديد إلى جعل إسرائيل هي "المركز" التكنولوجي والأمني والاقتصادي الذي تدور في فلكه كافة العواصم العربية كأطراف مستهلكة ومنزوعة الإرادة. هذا التوجه يهدف إلى تفريغ القرار العربي من سيادته الحقيقية، وجعل المقدرات الثرواتية والأمنية للدول العربية رهينة لـ "سيرفرات" وخوارزميات وإرادات خارجية، لا تضع في اعتبارها إلا تأمين التوسع الإسرائيلي وضمان تدفق المصالح الأمريكية فوق أنقاض السيادة العربية.

الخيار الوحيد.. استراتيجية عربية مضادة

إن البقاء في مربع رد الفعل لن يحمِ الحدود ولن يحفظ المقدرات. الحل الوحيد والمتبقي هو صياغة "مشروع عربي موحد" يتجاوز الخلافات الهامشية لصالح "الأمن القومي المشترك". نحن بحاجة إلى استراتيجية تمتلك مخالب حقيقية؛ اقتصادية، وعسكرية، ودبلوماسية. استراتيجية تؤمن بأن أمن القاهرة هو أمن بغداد، وأن استقرار الرياض لا ينفصل عن استقرار بيروت أو دمشق.

ختامًا، نحن في لحظة فارقة؛ إما أن نكون "رقمًا صعبًا" في المعادلة الدولية عبر بناء تحالفات ذكية تكسر القطبية الواحدة، أو نتحول إلى "جغرافيا ممزقة" في خرائط يرسمها الآخرون بدمائنا. التاريخ لا يحابي الضعفاء، والبقاء في هذا العالم لمن يجرؤ على صناعة مشروعه الخاص ومواجهة التبجح بالفعل لا بالكلمات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء