رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مائدة الرحمن بالكاتدرائية.. قصة بدأت من البابا شنودة واستمرت حتى الآن

البابا شنودة مع الشيخ
البابا شنودة مع الشيخ سيد طنطاوي

شهدت مصر عبر تاريخها صورًا متعددة من التلاحم الوطني، غير أن المشهد الذي يجمع بين صوم المسيحيين في الصوم الكبير وأجواء شهر رمضان لدى المسلمين يبقى من أعمق تلك الصور دلالةً على روح الشراكة الوطنية. 

ففي الوقت الذي ترتفع فيه الصلوات داخل الكنائس، وتُرفع فيه موائد الإفطار في المساجد والبيوت، تتلاقى القيم الروحية في رسالة واحدة عنوانها المحبة والسلام، كما أن مشاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أجواء رمضان لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل مسارًا ممتدًا عبر عقود. 

جذور تاريخية للوحدة الوطنية

تعود ملامح هذا الحضور المتبادل إلى عصور سابقة، حيث حرصت القيادات الكنسية على تأكيد قيم التآخي، بداية من عهد البابا كيرلس السادس، مرورًا بعصر البابا شنودة الثالث، وصولًا إلى وقتنا هذا. 

وخلال هذه المراحل، أصبحت المناسبات الدينية مساحة مشتركة للتقارب الإنساني، تعكس عمق العلاقات بين أبناء الوطن الواحد.

البداية من الكاتدرائية المرقسية

وفي ذات السياق، يشكّل عام 1986 محطة فارقة في هذا السياق، حين أُقيمت أول مائدة إفطار رمضانية رسمية داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في عهد البابا شنودة الثالث، إذ جاءت تلك المبادرة لتؤكد أن الكنيسة لا تنعزل عن محيطها المجتمعي، بل تسعى إلى مدّ جسور التواصل مع الجميع.

ومع مرور الوقت، تحوّل الإفطار الرمضاني في الكاتدرائية إلى تقليد سنوي يجمع رجال دين مسلمين ومسيحيين، وشخصيات عامة، ومسؤولين، ومواطنين من مختلف الفئات، في مشهد يجسد روح المشاركة الصادقة.

لم تكن موائد الإفطار مجرد لقاءات رمزية، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الروابط الإنسانية والوطنية أعمق من أي اختلاف ديني، فقد أراد المتنيح البابا شنودة الثالث أن تكون هذه اللقاءات منصة لتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، وتأكيدًا على أن مصر بتاريخها وحضارتها تتسع للجميع.

تعميم التجربة في الإيبارشيات

بعد النجاح اللافت للتجربة في الكاتدرائية، اتخذت الكنيسة خطوة أوسع بتعميم تنظيم موائد الإفطار في مختلف الكنائس والإيبارشيات على مستوى الجمهورية. 

وهكذا، لم يعد الإفطار الرمضاني حدثًا مركزيًا فحسب، بل تقليدًا ممتدًا في المحافظات، يعكس التعايش السلمي وروح المشاركة الوطنية.

 

تلاقي الصومين.. مشهد مصري فريد

يتزامن الصوم الكبير في الكنيسة مع شهر رمضان في بعض الأعوام، فيلتقي الصوم بالصوم، والنسك بالنسك، في صورة تعبّر عن عمق الروح الدينية لدى المصريين. 

وبينما يلتزم الأقباط بنظامهم الصومي، ويصوم المسلمون نهارهم، تتجلى وحدة الهدف: السمو الروحي، وضبط النفس، وتعزيز قيم الرحمة والعطاء.

وهكذا تبقى موائد الإفطار في الكنائس شاهدًا حيًا على أن المواسم الروحية في مصر ليست مناسبات خاصة بطائفة دون أخرى، بل محطات وطنية تتجدد فيها معاني الأخوة والانتماء، لتؤكد أن هذا الوطن سيظل نسيجًا واحدًا مهما اختلفت الطقوس وتنوعت الصلوات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء