رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الوجه الآخر لأبو الحرية الأمريكية.. جورج واشنطن تاجر عبيد وعنصري

جورج واشنطن
جورج واشنطن

تحل اليوم، 22 فبراير، ذكرى ميلاد جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية وأحد أبرز الآباء المؤسسين لها، والذي ارتبط اسمه بقيادة الجيش القاري خلال حرب الاستقلال ضد بريطانيا، ولعب دورًا محوريًا في إعلان الاستقلال عام 1776، حتى أصبح رمزًا للحرية في الوجدان الأمريكي، ولقب بـ«أبو الحرية الأمريكية» تقديرًا لدوره في تأسيس الدولة الحديثة.

ورغم هذا التقدير، فإن تاريخ واشنطن يحفل بتناقضات صارخة بين صورته كبطل للحرية ودوره كمالك للعبيد، وهو ما يضع اسمه في موضع جدل مستمر بين المؤرخين والمفكرين، ويجعل النظر في تفاصيل حياته السياسية والشخصية أمرًا ضروريًا لفهم تعقيدات هذا شخصية.

قائد الاستقلال

برز واشنطن كقائد عسكري استطاع توحيد المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة تحت راية واحدة في مواجهة أقوى إمبراطورية في ذلك الوقت، وهي بريطانيا، التي كانت تتحكم بموارد هائلة وقوات مسلحة ضخمة.

وبالرغم من نقص الموارد والخبرة العسكرية لدى معظم جنوده، نجح في تنظيم الجيش وتحقيق سلسلة انتصارات حاسمة، كان لها دور مباشر في دفع بريطانيا للاعتراف باستقلال الولايات المتحدة.

لم يقتصر دوره على ميادين المعارك فحسب، بل كان مهندسًا لتكتيكات القيادة والسيطرة، وقد وضع أسسًا عسكرية وسياسية لا تزال تُدرس في الأكاديميات العسكرية حول العالم، الأمر الذي يعكس عبقريته التكتيكية وقدرته على إدارة الأزمات، حتى أصبحت تجربة واشنطن العسكرية مصدر إلهام لكل قادة الولايات المتحدة اللاحقين.

الدولة الحديثة

خلال فترتيه الرئاسيتين، أسهم واشنطن في إرساء قواعد النظام الفيدرالي وتعزيز مؤسسات الدولة الوليدة، بما في ذلك القضاء والمالية والسياسات الخارجية، كما أسس لمبادئ الحوكمة التي تحدد علاقة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الدولة.

كما عمل على ترسيخ مكانة الرئاسة كسلطة تنفيذية مستقلة، بعيدًا عن التأثيرات السياسية الداخلية والخارجية، ووضع مثالًا رائدًا لتداول السلطة عبر انتهاء فترة ولايته دون تمديد، ما ساهم في بناء تقليد ديمقراطي يحمي من الاستبداد.

وقد حظي واشنطن باحترام واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ اعتبره كثير من المفكرين والسياسيين أحد أبرز القادة السياسيين في القرن الثامن عشر، حيث جمع بين البراعة العسكرية والقدرة على إدارة الدولة الناشئة بحنكة نادرة.

تناقضات العبودية

ورغم صورته كبطل للحرية، لم تخل حياة واشنطن من التناقضات الصارخة، وأبرزها امتلاكه لعدد كبير من العبيد في مزرعته الشهيرة «ماونت فيرنون».

فبحسب السجلات، كان لديه 164 عبدًا يعملون في مزرعته، بالإضافة إلى 126 عبدًا موروثًا من زوجته، ما يوضح أن معظم حياته العملية والسياسية قد جرت على حساب هؤلاء البشر، الذين لم يحصلوا على حريتهم إلا بعد وفاة زوجته بموجب وصيته.

ويظهر هذا التناقض بجلاء عند مقارنة مبادئه في الحرية والسيادة التي دعا لها في خطاباته، مع حقيقة أنه كان يمارس الاستغلال والسلطة المطلقة على حياة هؤلاء العبيد.

قوائم العبيد

توضح قوائم جرد العبيد التي أعدها واشنطن الطريقة التي كان يرى بها عبيده، حيث وصف بعضهم بأنهم «قاطع جيد وشيال ويمكن أن يقوم بأي عمل رغم شكله المعيب»، ووصف جارياته بأنهن «نساء جيدات في العمل رغم بشاعة مظهرهن».

كما تظهر الوثائق كيف أن واشنطن كان يركز على الإنتاجية والخدمة، وليس على أي حقوق شخصية للعبيد، الأمر الذي يكشف عن جانب مظلم في شخصيته، ويضع إرثه التاريخي في مواجهة مباشرة مع رمزيته كبطل للحرية والديمقراطية.

هذا التناقض تعكس الصراع العميق بين المثل العليا التي تبناها والأفعال التي مارسها، ويجعل من دراسة تاريخ العبيد في مزرعته أمرًا بالغ الأهمية لفهم سياق تلك الفترة.

تجاهل المعارضة

الأمر الأكثر جدلًا هو تجاهل واشنطن للمعارضة التي تنادي بحرية الجميع، سواء في حياته الخاصة أو العامة. فقد خاطبه معارض من ليفربول يدعى إدوارد راشتون في يوليو 1796، متهمًا إياه بامتلاكه مئات من البشر في أغلال الرق بالرغم من شعوره بالحرية، قائلاً: «يا للخجل، بالرغم من كراهيتك للاضطهاد وشغفك بالحرية، فإنك تمتلك مئات من البشر في أغلال الرق».

ويظهر من هذا الخطاب كيف أن واشنطن لم يكن ملتزمًا بالقيم الإنسانية في علاقته بالآخرين، بل كان يستخدم السلطة والقوة للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم على العبودية، وهو ما يعكس جوانب شخصية مغايرة للرمزية التي ارتبط بها في الذاكرة الأمريكية.

العنصرية والرق

المثير للسخرية ان واشنطن لم يقتصر دور العبيد على العمل في مزرعتة فحسب، بل كان يعتمد عليهم في التوسع الاقتصادي والاجتماعي، مستفيدًا من تجارتهم في العهد الذهبي للولايات المتحدة، رغم أنه كان عضوًا في مجلس البورجيز الذي وضع قواعد لاستيراد العبيد من الشاطئ الأفريقي.

وكان يعارض بشدة تجنيد السود في الجيش خلال الثورة الأمريكية، خوفًا من أن يؤدي تسليحهم إلى ثورات أو قلاقل قد تهدد استقرار المستعمرات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء