تميزت العلاقة بين نجيب محفوظ وأصدقائه من الأدباء والكتَّاب بالود والمحبة والتقدير، من خلال الجلسات والحوارات، والمناقشات التي ضعفت في سنوات محفوظ الأخيرة نتيجة ثقل سمعه وضعف بصره.
ولكن تظل علاقتُه بكل من الأديبين محمد سلماوي وجمال الغيطاني من أكثر العلاقات تميزًا وحميمية. وتظل علاقة الاثنين بالأستاذ بمثابة "السرة" التي تربط تجربة الرجلين، مع مراعاة أن لكل منهما زاوية رؤية جعلته يرث جانبًا مختلفاً من عبقرية "الأستاذ"، حيث كان الغيطاني يرى في محفوظ المرشد الروحي الذي علَّمه كيف يقرأ التاريخ ويستنطق الحارة المصرية، غير أنه لم يقلد محفوظ، بل استلهم منه "روح الحارة" ثم طوَّرها إلى لغة تراثية خاصة.
وإذا كان محفوظ قد كتب عن الحارة المعاصرة، فقد ذهب الغيطاني إلى حارة المماليك. غير أنه استطاع أن يجسّد دور "التلميذ النجيب" الذي لازم أستاذه في جلسات "الحرافيش"، وكان يرى في شخصية محفوظ "تجليًا إنسانيًّا صوفيًّا"، وهو ما وثَّقه في كتابه "نجيب محفوظ يتذكر".
أما سلماوي فقد كان "المتحدث الرسمي"، وكاتب الأسرار، والممثل الشخصي لمحفوظ في حفل استلام جائزة نوبل (1988)، وكان بالنسبة لمحفوظ هو العقل المنظم والنافذة على العالم، خاصة في سنواته الأخيرة. وقد ركز سلماوي على "فكر" محفوظ السياسي والاجتماعي. في كتابه "في حضرة نجيب محفوظ"، وكتبه الأخرى، حيث قدَّم توثيقًا دقيقًا لآراء الأستاذ التي لم ينشرها في رواياته، محولاً الجلسات الخاصة إلى شهادة تاريخية.
نخلص إلى أن الغيطاني ورث من محفوظ "اللوكيشن" (الحارة) و"الفلسفة" (الزمن)، وحولهما إلى أدب أسطوري وتراثي. أما سلماوي فقد ورث من محفوظ "الموقف" (الليبرالية والوطنية) و"الدور" (المثقف كواجهة للأمة)، وحولهما إلى توثيق وسيرة ذاتية ومسرح.
لقد كان الغيطاني يكتب "بجانب" محفوظ متأثرًا بعالمه، بينما كان سلماوي يكتب "عن" محفوظ كاشفًا لأسرار عالمه.
وقد عاصر الكاتبان نجيب محفوظ، وكانا من المقربين جدًّا منه، وقد أخذ الغيطاني من محفوظ ولعه بالحارة المصرية، لكنه ذهب بها إلى أبعاد صوفية وتاريخية أعمق. وإذا كان محفوظ قد كتب "الثلاثية" ليوثّق تحولات المجتمع، فإن الغيطاني كتب "التجليات" ليغوص في وجدان الإنسان المصري عبر العصور، ويدمج التاريخ بالرواية.
أما سلماوي فقد تأثر بمحفوظ في قدرته على تشريح المجتمع وبناء الشخصية الدرامية. واستطاع أن يستلهم من محفوظ القدرة على كتابة "الرواية الفكرية" التي تناقش قضايا الهوية والسياسة بوضوح وسلاسة، تماماً كما فعل محفوظ في روايات مثل "ميرامار" و"ثرثرة فوق النيل".
إن سلماوي يمتلك أكثر من 500 ساعة سجلها مع محفوظ، مما جعل جزءًا من إنتاجه يدور حول توثيق فكر محفوظ وشخصيته.
وبما أن سلماوي كاتب مسرحي بالأساس، فقد استفاد من قدرة محفوظ المذهلة على إدارة الحوار (الديالوج) الذي يكشف أعماق الشخصية دون شرح مطول، وهو ما نلمسه في مسرحيات سلماوي، وفي رواياته مثل: "أجنحة الفراشة"، و"أوديب في الطائرة"، و"السماء الثامنة".
لقد كان الغيطاني يرى في محفوظ "شيخًا وطريقة"، فكتب عنه كتابه الشهير "نجيب محفوظ يتذكر". أما سلماوي فكان يرى فيه "أستاذًا وصديقًا"، فكان المتحدث الرسمي باسمه، وصاحب كتاب "في حضرة نجيب محفوظ".