رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: الضربة المحتملة على إيران

أرشيفية
أرشيفية

مقدمة:

في الآونة الأخيرة، تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران بشكل متسارع ومقلق لكافة المراقبين للشأن الدولي. فتُعتبر الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط أكبر حملة ضغط تمارسها الولايات المتحدة على إيران منذ قيام ثورة الخميني عام 1979. وبناءً على حجم الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة، يرتفع احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية نوعية بهدف ممارسة مزيد من الضغوط على طهران. وفي حين لا تُظهر البيانات الرسمية الأمريكية أي وضوح بشأن حجم الضربة وأهدافها العسكرية، فإن التحليلات تدور حول تأثير القرار العسكري لواشنطن على خيارات النظام فيما يخص شروط التفاوض، وكذلك على متانة بقاء النظام في طهران.

 

ويرى المراقبون أن التهديدات الأمريكية الأخيرة تختلف، إذ يمكن فصل التصعيد الأمريكي والحشود العسكرية الأمريكية عن عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران طوال 12 يوماً في يونيو 2025، والتي تخللتها مشاركة قاذفات B2 الاستراتيجية الأمريكية في قصف مفاعلات أصفهان وفوردو ونطنز النووية. كما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن للضربات الجديدة المحتملة سياقاً مختلفاً عن الضربات السابقة، كونها تأتي في أعقاب احتجاجات دموية داخل إيران، تكشف المصادر الإيرانية والأجنبية عن أنها أوقعت عشرات الآلاف من القتلى.

 

بداية الاستعدادات والإعلان عن الحشود العسكرية في المنطقة:

جاء التوقع باحتمال تنفيذ الضربة العسكرية من خلال إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 22 يناير 2026، عن تحرك "قوة كبيرة" ونشر مجموعتين من حاملات الطائرات (يو إس إس أبراهام لينكولن ويو إس إس جيرالد فورد) باتجاه منطقة الخليج، مشيراً إلى أن هذه القوة تشمل، إلى جانب حاملتي الطائرات، مجموعة قتالية مدمرة وطائرات مقاتلة من طراز F-15، فضلاً عن تعزيزات في قواعد مثل قاعدة "العديد" في قطر. وقد جاءت هذه التحركات وسط مراقبة وثيقة للوضع في إيران.

 

التذرع باستخدام القوة العسكرية لتغيير النظام الإيراني السلطوي وكذا للحد من النشاط النووي لطهران:

ربط ترامب الإعلان عن الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بذريعة استمرار قتل المتظاهرين الإيرانيين من قبل السلطات الإيرانية، أو استئناف أنشطة نووية معينة. وصرح باحتمال عدم توجيه هذه الضربة إذا ما أسفر تواصل واشنطن وطهران عن تغير في موقف النظام الإيراني إزاء قمع الاحتجاجات الداخلية وقبوله شروط المفاوضات التي تضعها الولايات المتحدة، وهي:

1- إعادة صياغة الاتفاق النووي على أساس منع إيران من تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.

2- السيطرة على مخزون إيران الحالي من اليورانيوم المخصب، سواء عبر إخراجه من البلاد إلى جهة ثالثة أو وضعه داخل إيران بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

3- اتفاق يقيد برنامج إيران للصواريخ الباليستية ويمنع إيران من إنتاج نسخ بمديات طويلة.

4- وقف إيران لسياساتها "المزعزعة للاستقرار"، لا سيما قطع علاقاتها مع أذرعها وميليشياتها التابعة لها في المنطقة.

 

موقف النخبة والرأي العام الأمريكيين من الهجوم العسكري المحتمل:

يشهد الموقف تجاه النزاع المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران انقساماً حاداً بين المعارضة الشعبية الواسعة وبين الضغوط المتزايدة من النخبة السياسية والعسكرية.

 

أ- الرأي العام الأمريكي: معارضة واسعة وحذر:

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة في مطلع عام 2026 رفضاً شعبياً كبيراً لأي تدخل عسكري مباشر، مدفوعاً بذاكرة "الحروب الطويلة"، وذلك على النحو التالي:

 

رفض الأغلبية: كشف استطلاع لجامعة كوينيبياك (14 يناير 2026) أن 70% من الناخبين يعارضون التدخل العسكري الأمريكي في إيران، حتى في ظل الاحتجاجات الداخلية هناك.

 

الانقسام الحزبي: يعارض 79% من الديمقراطيين و80% من المستقلين العمل العسكري، بينما ينقسم الجمهوريون، حيث يعارض 53% منهم التدخل مقابل 35% يؤيدونه.

 

توقعات الحرب: رغم المعارضة، يعتقد 52% من الأمريكيين أن وقوع عمل عسكري في الشهر المقبل هو أمر "محتمل إلى حد ما" أو "محتمل جداً".

 

اشتراط موافقة الكونجرس: يرى 70% من الأمريكيين ضرورة حصول الرئيس على موافقة الكونجرس قبل القيام بأي تحرك عسكري.

 

ب- مواقف النخبة: تصعيد محسوب ودبلوماسية "تحت التهديد":

تتبنى النخبة السياسية والعسكرية استراتيجية "الضغط الأقصى" الممزوجة بفتح قنوات تفاوضية، فيلوح الرئيس ترامب بخيار القوة ("بسرعة وعنف") لفرض اتفاق نووي جديد وشامل، معتبراً أن "تغيير النظام" قد يكون الخيار الأفضل. ومع ذلك، أرسل مبعوثين (ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) إلى جنيف وعمان لإجراء محادثات غير مباشرة.

فيما شهدت النخبة في الحزب الجمهوري انقساماً حاداً، إذ برز صراع بين "الصقور" الذين يؤيدون الضربات الجوية على طهران (مثل مايك والتز الذي أقيل مؤخراً) وبين تيار "أمريكا أولاً" (بقيادة جي دي فانس وتوكر كارلسون) الذي يفضل كبح جماح التصعيد العسكري لتجنب التورط في حرب إقليمية مكلفة.

وبالنسبة للكونجرس، فلا يوجد إجماع واضح حول هذا الأمر؛ حيث يدعم بعض المشرعين تدابير الردع القوية وتوسيع العقوبات، بينما يحذر آخرون من مخاطر سوء التقدير ويدعون للالتزام بالرقابة البرلمانية. فيما أعدّ (البنتاجون) خططاً لعمليات قد تستمر لأسابيع تستهدف المنشآت النووية والدفاعات الجوية، مع تحذير المحللين العسكريين من أن الهجوم قد لا يؤدي لتغيير النظام بل قد يوحد النخبة الإيرانية خلفه.

 

ومع ذلك، ورغم التصعيد، اتخذت واشنطن مساراً دبلوماسياً موازياً للتفاوض مع طهران، وتوصل الجانبان في 17 فبراير 2026 في جنيف إلى تفاهم حول "مبادئ توجيهية" لاتفاق نووي محتمل، مما خفف مؤقتاً من حدة التوتر في الأسواق العالمية.

من جانب آخر، ذكرت تقارير متعددة أن كبار المستشارين في الإدارة الأميركية حذّروا من أن إبرام اتفاق نووي مع طهران يُعد مهمة تاريخية معقدة تكاد تكون مستحيلة، بالنظر إلى سجل الجمهورية الإسلامية في التعامل مع الغرب.

 

وقد أُبلغت القيادة الأميركية أن التجارب السابقة تشير إلى أن أي اتفاق يرضي جميع الأطراف كان دائمًا صعب التحقق، وأن على الإدارة الاستعداد لمواجهة مفاوضات شاقة وطويلة الأمد، وفقاً لصحيفة "نيويورك بوست" الأميركية.

 

الدعم الإسرائيلي:

يُسجل المراقبون أن إسرائيل، التي كانت تضغط في السنوات الأخيرة على واشنطن لاستخدام الخيار العسكري ضد إيران، تدعم الولايات المتحدة لشن الضربات الجديدة. ففيما تصدر التهديدات بشكل مكثف عن واشنطن، فإن إسرائيل تواكب السياق الأميركي وتفرض نفسها عاملاً حليفاً وشريكاً للعملية الأمريكية.

 

ختاماً:

يتضح لنا من خلال العرض السابق أن قرار ترامب بتنفيذ هذه الضربة مرهون بعدة عوامل، أهمها: مدى استجابة الإدارة الأمريكية للضغوط الإسرائيلية الدافعة نحو تنفيذ تلك العملية بشكل أو بآخر لضمان الحد من القوة الإيرانية وتقليم أظافرها لضمان أمن وسلامة إسرائيل، وكذا لضمان إضعاف وكلاء طهران في المنطقة وخاصة حزب الله. ولعل الهجوم الإسرائيلي يوم 20 فبراير 2026 على جنوب وشرق لبنان، والذي استهدف مواقع لحزب الله وأسفر عن عشرات القتلى والمصابين من بينهم قيادة بارزة في الحزب، يُعد شكلاً من أشكال التهديد والضغط على طهران.

أما العامل الآخر المحدد لاحتمالية وقوع هذه الضربة -وفقاً للتحليلات- فهو موقف الجانب الإيراني نفسه، الذي قد يرى أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة قد يكون أفضل من الدخول في مفاوضات تجبرها على القبول بشروط مجحفة لتجريدها من قدراتها النووية والصاروخية. وبالتالي، إذا ما تمت المواجهة العسكرية وتم توسيع نطاق الحرب لتكون حرباً إقليمية بالمعنى الواسع، فإن ذلك قد يسهم – من وجهة النظر الإيرانية- في الضغط على واشنطن لإعادة النظر في سياستها والدخول في مفاوضات مع إيران بشروط ومطالب أكثر تواضعاً وتكون مقبولة من الجانب الإيراني لتمريرها للرأي العام في الداخل، الذي لا يقبل بتنازل طهران عن مقدراتها النووية والعسكرية بكل سهولة.

وفي النهاية، ستحدد الأيام المقبلة هل سيتم الانتصار لخيار التفاوض أم ستكون الغلبة للخيار العسكري، الذي يُعتبر بمثابة مقامرة ومغامرة كبيرة قد تكون لها عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء