تقرير لمركز باستيت: الانعقاد الأول لمجلس السلام
عُقد مجلس السلام أول اجتماعاته برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن في التاسع عشر من فبراير عام 2026. وقد حضر الاجتماع وفود من 47 دولة، ممثلين برؤساء بعض الدول ورؤساء وزراء ووزراء، من بينهم عدد من المراقبين غير الأعضاء. وقد أسفر الاجتماع عن الإعلان عن مساهمة بخمسة أو سبعة مليارات دولار من بعض الدول الخليجية، بالإضافة إلى تبرع الولايات المتحدة الأمريكية بعشرة مليارات دولار لتمويل نفقات هذا المجلس، كما أعلن الرئيس الأمريكي. ويتساءل العديد من المراقبين حول مصدر هذا التبرع الأمريكي ودون موافقة الكونجرس. كما تم الإعلان عن الدول التي ستشارك في تشكيل قوة الاستقرار الدولية، ومن بينها إندونيسيا التي ستشارك بثمانية آلاف جندي، والمغرب، وكازاخستان، وألبانيا، وكوسوفو، وغيرها من الدول الصغيرة، في حين تتكفل مصر والمملكة الأردنية الهاشمية بتدريب قوة الشرطة الفلسطينية مهنيًا لممارسة مهمة حفظ الأمن. وأكد الاجتماع على أهمية نزع سلاح حماس كمرحلة ضرورية لبدء إعمار غزة وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي المتدرج من قطاع غزة إلى الشريط الحدودي الذي ستسيطر عليه إسرائيل.
السياق الذي عُقد فيه هذا الاجتماع يثير العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول طبيعة مجلس السلام وطبيعة المهام المنوط به تنفيذها، ومدى وحدود قدرته على تحقيقها. فقد تميز سياق هذا الاجتماع بانعقاده في ظل التهديد الأمريكي المتصاعد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحشد غير المسبوق للأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية والقطع العسكرية البحرية الأمريكية المختلفة منذ 2003، في محاولة لإملاء الشروط الأمريكية على إيران لعقد "صفقة" أو "اتفاق" إذعان وخضوع واستسلام من إيران للمطالب الأمريكية، وهو ما تعتبره إيران متعارضًا مع الثوابت الأساسية لها. بل والأكثر من ذلك أن الرئيس الأمريكي قد أطلق في هذا الاجتماع إعلانًا عن مهلة لإيران لتوقيع مثل هذا الاتفاق خلال عشرة أيام أو خمسة عشر يومًا، وإلا ستحدث "أشياء سيئة"، وهو ما يعني بدء الحرب على إيران رغم معارضة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، سواء في الخليج أو تركيا أو مصر أو باكستان. ويأتي هذا الإعلان في سياق الاجتماع كمحاولة لإشراك أو تهيئة الدول الأعضاء في المجلس للموافقة أو القبول بالسياسة الخارجية الأمريكية إزاء إيران.
كذلك، وفي ذات السياق، فإن انعقاد المجلس الأول يأتي في ظل التعنت الإسرائيلي في وقف تنفيذ وبدء المرحلة الثانية من خطة ترامب، ورفض دخول اللجنة الإدارية المكلفة بإدارة قطاع غزة، ورفض الانسحاب قبل ضمان نزع سلاح حماس من غزة، واستمرار القتل وغلق المعابر وتقليص دخول المساعدات الإغاثية والإنسانية، وتدهور الأوضاع المعيشية للنازحين في قطاع غزة، واستمرار تنفيذ خطة الضم في الضفة الغربية.
لم يتطرق هذا الاجتماع للانسحاب الإسرائيلي من غزة أو الاحتلال الإسرائيلي لما يزيد عن نصف مساحة قطاع غزة، أو الانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة لاتفاق وقف إطلاق النار وهدم العقارات أو ما تبقى منها، وسقوط العديد من الشهداء في غزة. وخلا الاجتماع من أية إشارة إلى حل الدولتين، وكأن المطلوب تغييب هذا الحل وشطبه من المعادلة. وبطبيعة الحال، كان ملفتًا أيضًا أن حضور رئيس لجنة غزة خلا من الإشارة إلى فلسطين أو السلطة الفلسطينية، وكأنه مجرد متعاقد مع مجلس السلام وليس له أية صفة تمثيلية تتعلق بفلسطين.
الخطابات والكلمات، خاصة من قبل الرئيس الأمريكي ومبعوثيه في الاجتماع، تناقضت مع الواقع والوقائع على الأرض. ففي حين تناولت هذه الخطابات السلام والازدهار وغزة الآمنة والمزدهرة وإعادة بنائها، تنطق الوقائع بعكس ذلك تمامًا، حيث يستمر الهدم والاحتلال والقتل والجوع، وتدهور الخدمات الغذائية والعلاجية، وإغلاق المعابر، وسحب تراخيص المنظمات الإغاثية وعدم تجديدها. ويبدو المشهد كما لو كان مجرد مباراة في ترديد السلام والازدهار والأمن دون أن يترافق ذلك مع السعي جدياً لإنهاء الاحتلال والسيطرة والعدوان. ويبدو ذلك متوافقًا مع المقاربة الأمنية والعقارية للمسألة الفلسطينية برمتها في إطار عقيدة "ترامب".
من المهم أيضًا في هذا الصدد الإشارة إلى أن هذا الاجتماع قد غاب عنه الأعضاء الأربعة الدائمون في مجلس الأمن الدولي وهم روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا. وحضرت إيطاليا "كمراقب" وليست كعضو، وكذلك مفوضة الاتحاد الأوروبي التي حضرت "كمراقب". وقد حظي هذا الحضور بانتقاد فرنسي مضمونه أن المفوضة الأوروبية قد حضرت دون تفويض من السلطة الأوروبية المخولة بمنحها هذا التفويض. وأكدت فرنسا أن المهمة الأساسية للمجلس تتعلق بغزة وفق قرار مجلس الأمن، وأن الغموض الذي يحيط بتشكيل ومهمة هذا المجلس يحول دون انضمامها حتى تتبين حدود وصلاحيات المجلس.
بل وأشارت العديد من المصادر والأخبار إلى أن بعض المشاركين من الدول هم أصدقاء لترامب وينتمون لعقيدته مثل المجر والأرجنتين، والبعض الآخر يتقي شر أمريكا ويتملقها، والمقصود هنا دول مثل ألبانيا وكوسوفو ودول صغيرة أخرى.
الغموض غير البناء والشكوك العميقة حول تشكيل هذا المجلس ومهامه ربما تلقي الضوء على هوية مجلس السلام وطبيعته والسياق الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي عن نشأة هذا المجلس وتأسيسه في "دافوس" بسويسرا في يناير الماضي.
بادئ ذي بدء، كان التفويض الذي صدر عن مجلس الأمن بالقرار 2803 لنشأة هذا المجلس مقصودًا به قطاع غزة على وجه الحصر؛ أي إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي المتدرج وإعادة الإعمار. إلا أن ميثاق هذا المجلس قد نص على شمول مهامه لكافة بؤر النزاع والصراع في العالم، بعد ثبوت فشل هيئة الأمم المتحدة في هذه المهمة، وهو الأمر الذي أثار الجدل والنقاش حول أن المجلس يستهدف الحلول محل الأمم المتحدة في حل النزاعات وإجراء تسوية الصراعات، وهو ما لم يحظ بموافقة العديد من الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والدانمارك والنرويج والصين وروسيا، التي لا تزال تدرس اقتراح ودعوة ترامب للانضمام إليه.
ترى أغلب هذه الدول أن تشكيل هذا المجلس هو بداية تفكيك النظام الدولي القائم ونهاية التعددية في إدارة العلاقات الدولية، وهو النظام القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والذي ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في إرساء قواعده السياسية والاقتصادية، وأن ذلك يشير إلى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في الانفراد بإدارة شؤون العالم وتهميش القوى الدولية الأخرى. وقد لوحظ في أعمال هذا المؤتمر الإشارة إلى أن مجلس السلام "سيراقب عمل الأمم المتحدة" والتي تمتلك "إمكانيات كبيرة" ولكنها "لا تستخدمها"، وهو ما يؤكد جزئيًا أو كليًا شكوك الدول في مهام هذا المجلس، فضلاً عن قصور المجلس أو منظماته الفرعية حتى الآن عن تغيير الوضع في غزة إلى الأفضل واستمرار الحرب وإن بطرق مختلفة.
ويجدر في هذا السياق الإشارة إلى أن أهم مشكلات هيئة الأمم المتحدة يكمن في العجز المالي، كما صرح الأمين العام أنطونيو غوتيريش في فبراير أن المنظمة الدولية تواجه انهيارًا ماليًا مؤكدًا بسبب تراكم متأخرات المساهمات المالية للدول، والتي تتضمن ما يقرب من 4 مليارات دولار متأخرات على الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تمثل نسبة كبيرة من متأخرات الميزانية العادية للأمم المتحدة. ولم يسفر إعلان الولايات المتحدة عن بدء سداد هذه المتأخرات سوى عن دفع 160 مليون دولار للأمم المتحدة.
من ناحية أخرى، يكشف الشعار "اللوجو" الذي ظهر للمجلس عند إعلانه، والذي يمثل "كوكبًا محاطًا بالذهب" ويضع الولايات المتحدة الأمريكية أو أمريكا الشمالية في مركز العالم، عن الطموح الأمريكي في عهد الرئيس ترامب.
في نظر بعض المؤرخين المختصين في تاريخ الأمم المتحدة، فإن "مجلس السلام" الذي أعلنه ترامب يخضع قبل أي شيء آخر لأجندة حركة "ماجا" (MAGA) بالذات في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو اختصار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (Make America Great Again)، وهو ما قد يشجع الدول الأعضاء على إصلاح الأمم المتحدة التي تعاني القصور والعجز منذ سنوات عديدة.
تتطابق أجندة "ماجا" مع أجندة مجلس السلام، بالذات في السياسة الخارجية الأمريكية وتعزيز القوة الأمريكية في مواجهة روسيا والصين. وقد لوحظ مؤخرًا عودة سياسة القرن التاسع عشر حول مناطق النفوذ، وتأسيس هذا المجلس ومهمته يعبران عن توجه الولايات المتحدة نحو تبني سياسة مناطق النفوذ.
من ناحية أخرى، فإن تشكيل مجلس السلام ومهامه تبدو وكأنها تعبير عن "الذات الترامبية" إذا ما نظرنا إلى آلية العمل والتشغيل في المجلس، حيث سيكون ترامب رئيسًا مدى الحياة ويمتلك في الوقت ذاته حق النقض (الفيتو) إزاء كافة القرارات الكبرى. ومن ثم، فإن المجلس يبدو كوسيلة لتأكيد وضعيته المتعالية في الشؤون الدولية، حتى بعد مغادرة منصب الرئاسة، وهو ما يشير إلى أن المجلس مشروع شخصي لترامب.
بحسب تصريح "ميلاد ينوف" الذي يحمل صفة الممثل السامي "لمجلس السلام"، فإن جدول الأعمال لهذا الاجتماع الأول سيعالج مسار تمكين لجنة غزة من دخول القطاع، وضمان وقف انتهاكات وقف إطلاق النار، وتقديم المساعدة الإنسانية بسرعة، وبدء عملية نزع السلاح في غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى السياج الحدودي، وتنفيذ خطة ترامب ذات العشرين بندا، ومن بينها إعادة الإعمار وضمها إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وأشار إلى أن عدم توافق الأطراف حول هذه المسارات يعني استئناف الحرب.
تعد هذه المهام المطروحة على المجلس اختبارًا جديًا لقدرته على النجاح والاستمرار، وهو ما يعني في الواقع قدرته على ممارسة الضغوط على الجانب الإسرائيلي لتنفيذ المرحلة الثانية وبدء عملية الإعمار، وإجبار إسرائيل على التخلي عن ربط إعادة الإعمار ودخول المساعدات الإنسانية بنزع سلاح غزة. وهو الأمر الذي تشير كافة التقديرات بما فيها الأمريكية إلى صعوبته وحاجته لبعض الوقت لإيجاد مخارج مقبولة من طرف حماس والمقاومة، أي التوافق بشأنها مع السلطة الفلسطينية والعناصر الفاعلة في المشهد الفلسطيني. ولا يمكن بطبيعة الحال الانتظار أو رهن المساعدات والانسحاب بتنفيذ الشروط الإسرائيلية غير المقبولة من المقاومة. معيار نجاح المجلس هو قدرته على إجبار إسرائيل على تنفيذ مخرجات خطة ترامب بعد أن نفذت المقاومة كافة واجباتها بموجب هذه الخطة.
نجاح مجلس السلام رهن بتقريب المسافة بين الخطاب حول السلام والازدهار وبين الواقع في غزة، أي الانسحاب وتدفق المساعدات الإغاثية ووقف الانتهاكات. ودون ذلك، ستظل مهام هذا المجلس موضع شكوك وتوجس، وسيتحول إلى حلبة لتداول المفردات عن السلام والازدهار إذا عجز مجلس السلام عن فرض السلام في مساحة من الأرض أقل من 6000 كيلومتر مربع، وهي المساحة الافتراضية للدولة الفلسطينية، فما بالنا بصنع السلام في كافة أنحاء العالم؟.
د. عبدالعليم محمد
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية