رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رمضان كريم، وكل عام وأنتم بخير.. يبقى شهر رمضان في مصر أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه حالة اجتماعية وروحية متكاملة، تتجلى فيها ملامح الهوية المصرية بعمقها الإسلامي وتراثها الممتد عبر قرون.. فعلى الرغم من التغيرات المتسارعة التي نشهدها، وما يُعرف بالغزو الثقافي، الذي أعاد تشكيل أنماط الحياة والذوق العام، لا تزال مصر تحتفظ بروح خاصة في استقبال هذا الشهر، روح تتجدد كل عام وتُذكّرنا بأن لرمضان في هذا البلد طعماً مختلفاً.

حين نستعيد ذكريات الطفولة، نتذكر كيف كانت بشائر رمضان تبدأ قبل قدومه بأيام. كان الأهالى يتشاركون بحماس في تعليق الزينات التي تمتد بطول الشارع أو الحي، في مشهد يعكس روح التكافل والبساطة.. لم تكن الزينة مجرد ألوان وأقمشة مضيئة، بل كانت إعلاناً جماعياً عن الفرح بقدوم الشهر الكريم.. الأطفال يركضون بين البيوت، يتباهون بفوانيسهم الجديدة، والكبار يتبادلون التهاني لانهم يستقبلون ضيفاً عزيزاً ينتظرونه طوال العام.

الفانوس تحديداً كان رمزاً أصيلاً لا ينفصل عن هوية رمضان المصري. بصوته المعدني الخافت، ونقوشه التقليدية، وضوئه الدافئ، كان يحمل في طياته حكايات الأجداد وروح الحارة. ومع انتشار الأغاني الرمضانية القديمة لكبار الفنانين، كانت الأجواء تكتمل. لم نكن نشعر بقدوم رمضان حقاً إلا حين نسمع تلك الألحان التي صارت جزءاً من الذاكرة الجماعية، تربط بين الأجيال وتمنح الشهر نكهته الخاصة وايضا اذان المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت كان له اثر خاص عند الإفطار.

وإلى جانب المظاهر الاحتفالية، كانت هناك عادات روحية راسخة تعمّق معنى الشهر. المساجد تمتلئ بالمصلين في صلاة العشاء والتراويح، والأصوات تتعالى بالدعاء والابتهال. الإفطار الجماعي كان مشهداً يومياً في كثير من الأحياء؛ موائد تمتد في المساجد والشوارع، يتقاسم عليها الناس الطعام دون تفرقة -  فالموائد هنا لم تكن للفقراء فقط بل يتشاركها الجميع فى جو دافئ جميل -  هذه اللحظات لم تكن مجرد طعام يُتناول، بل كانت درساً عملياً في التكافل والرحمة والشعور بالآخر.

وكان من أجمل ما يميز رمضان في مصر تبادل الأطعمة والحلويات بين الجيران. طبق يُرسل من بيت إلى آخر، وكلمة طيبة تسبق أو تلحق به، فتتوطد العلاقات وتتجدد المودة. كانت هذه التفاصيل الصغيرة تصنع شبكة اجتماعية متماسكة، يشعر فيها الجميع بأنهم أسرة واحدة.

أما “الفسحة” الرمضانية فكانت جزءاً أصيلاً من المشهد. لم تكن النزهة عادية، بل مرتبطة بأماكن ذات هوية روحية مثل منطقة  مسجد سيدنا الحسين أو منطقة  مسجد السيدة زينب وشارع المعز وغيرها من الأماكن التراثية ، حيث تختلط الأجواء الإيمانية بالحركة الشعبية والأسواق والإنشاد الديني. هناك كان الناس يجدون مزيجاً من الروحانية والبهجة، في صورة تعكس طبيعة الشخصية المصرية التي تمزج بين التدين الفطري وحب الحياة.

كما ارتبط رمضان قديماً بفعاليات فنية وثقافية خاصة، والدراما الدينية التي كانت حاضرة بقوة على الشاشة الصغيرة. لم تكن تلك الأعمال مجرد ترفيه، بل كانت مساحة للتعلم واستحضار القيم والتاريخ في قالب درامي مشوق.. فمن منا ينسى مسلسل عمر بن عبد العزيز، أو أبو حنيفة النعمان، أو رجل الأقدار، وكذلك سلسلة لا إله إلا الله ..  كانت هذه الأعمال تزرع فينا قيماً سامية، وتعرّفنا بسير الشخصيات التاريخية بروحانية ووقار يليقان بالشهر الكريم.

لكن، ومع تغيرات العصر وغزو الثقافة الأجنبية التى تتم بشكل متعمد ، بدأت بعض هذه المظاهر تتراجع.. تغير شكل الفانوس التقليدي ليأخذ هيئة عرائس أو شخصيات كرتونية ، واختفت المسلسلات الدينية التي كنا ننتظرها مساءً أو مع السحور. تراجعت المساحات الروحية أمام سطوة المحتوى السريع وثقافة الاستهلاك، فأصبحت  الطقوس الرمضانية مهددة بالاندثار أو التحول إلى مجرد مظاهر شكلية.

ورغم ذلك، لا يمكن القول إن روح رمضان في مصر قد اختفت.. ربما تبدلت بعض التفاصيل، لكن الجوهر ما زال قائماً. ما زال الأذان وقت المغرب يوقف الحركة في الشوارع للحظات، وما زالت البيوت تمتلئ بدفء العائلة حول مائدة واحدة، ومازال البعض يحرصون على صلاة التراويح وقراءة القرآن وتقديم الصدقات.

إن الحفاظ على هوية رمضان في مصر مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدنى  ومؤسسات الدولة بكل اشكالها . نحن بحاجة إلى استعادة المعنى، لا مجرد استعادة الشكل؛ إلى إحياء القيم التي جعلت من هذا الشهر موسماً للتسامح والتكافل والتقارب الإنساني.

رمضان في مصر سيظل “حاجة تانية” ما دمنا نتمسك بروحه، وننقل تفاصيله الجميلة إلى أبنائنا، لا كحكايات عن زمن مضى، بل كتجربة معيشية تتجدد كل عام، وتؤكد أن الهوية الحقيقية لا تموت، بل تحتاج فقط إلى من يصونها ويؤمن بها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء