رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر طلبًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام قواعد بريطانية في توجيه ضربة محتملة ضد إيران، لا يُقرأ فقط بوصفه تباينًا سياسيًا بين حليفين، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية التفكير الأمني عالميًا. المسألة لم تعد تتعلق بمدى الالتزام بتحالف عسكري، بل بكيفية تعريف “المصلحة الوطنية” نفسها: هل تُقاس بالقوة الصلبة أم بقدرة المجتمع على الصمود؟
في النموذج التقليدي للأمن القومي، كانت الدولة هي وحدة التحليل الوحيدة تقريبًا. الخطر يأتي من الخارج، والرد يكون عسكريًا أو ردعيًا. لكن الواقع الدولي الراهن أكثر تشابكًا. أي مواجهة عسكرية مع إيران لن تبقى حدثًا عسكريًا محدودًا، بل ستنعكس على أسواق النفط، وسلاسل الإمداد، والتأمين البحري، وحركة التجارة العالمية. بريطانيا، التي تواجه أصلًا تحديات اقتصادية داخلية، ستجد نفسها أمام موجة تضخم جديدة، وارتفاع محتمل في أسعار الطاقة، وضغط اجتماعي متزايد. هنا يصبح السؤال: هل حماية التحالف أهم من حماية الاستقرار الداخلي؟
التحول في القرار يعكس إدراكًا بأن الأمن القومي لم يعد مفهومًا أحادي البعد. الدولة لم تعد فقط كيانًا يحمي الحدود، بل إدارةً معقدةً لمخاطر متعددة المستويات. المخاطر اليوم ليست جيوشًا على الحدود فحسب، بل اضطرابًا في الأسواق، أو استقطابًا داخليًا، أو هجمات سيبرانية، أو موجات هجرة غير متوقعة. المجتمع بات ساحة التأثر الأولى، وأحيانًا الأداة التي يُضغط من خلالها على الدولة.
هذا التطور يرتبط بمرحلة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، التي كشفت هشاشة الاقتصادات المتقدمة أمام أزمات الطاقة والغذاء. لم تعد القوة العسكرية كافية لضمان الاستقرار. الدول الأوروبية التي انخرطت في المواجهة غير المباشرة مع روسيا واجهت ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، ما أدى إلى تململ اجتماعي وصعود تيارات سياسية احتجاجية. الدرس كان واضحًا: أي قرار أمني لا يضع المجتمع في قلب المعادلة قد يتحول إلى تهديد داخلي.
من هذه الزاوية، رفض استخدام القواعد لا يعني انسحابًا من التحالف، بل إعادة ترتيب للأولويات. الدولة هنا لا تتخلى عن التزاماتها، لكنها تعيد تعريفها وفق منظور أوسع للأمن. التحالف العسكري لم يعد قيمة مطلقة، بل متغيرًا يخضع لحسابات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. هذا يعكس انتقالًا من “أمن الدولة” بوصفه حمايةً للسيادة الجغرافية، إلى “أمن المجتمع” بوصفه حمايةً لنمط الحياة والاستقرار المعيشي.
الأهم أن هذا التحول يكشف عن تآكل فكرة الاصطفاف التلقائي في النظام الدولي. القوى المتوسطة باتت أكثر حرصًا على استقلال قرارها حين يتعلق الأمر بتداعيات داخلية مباشرة. فالأمن القومي في عصر الترابط العالمي يعني إدارة التأثيرات غير المباشرة بقدر ما يعني مواجهة التهديدات المباشرة.
من منظور امرأة عربية، يبدو هذا النقاش بعيدًا في ظاهره، لكنه شديد القرب في نتائجه. هي لا تتابع تفاصيل التفاوض بين العواصم الكبرى بقدر ما تتابع فاتورة الكهرباء وسعر الخبز واستقرار المنطقة. أي تصعيد مع إيران قد يعني ارتفاعًا جديدًا في الأسعار، أو توترًا إقليميًا ينعكس على فرص العمل والاستثمار. حين تختار دولة كبرى أن تضع حسابات المجتمع قبل حسابات القوة، فإنها، بشكل غير مباشر، تحمي ملايين البيوت من قلق إضافي.
الأمن بالنسبة لها ليس مفهومًا نظريًا، بل قدرة على العيش دون خوف من أن تتحول أزمة سياسية بعيدة إلى عبء يومي جديد. هنا يتجسد المعنى الأعمق لإعادة تعريف الأمن القومي: من حماية الحدود إلى حماية الحياة نفسها.