رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكاية ساعة قبل الفطار.. مائدة الرحمن

مائدة الرحمن
مائدة الرحمن

في لحظات قبل الإفطار، حين تنتشر رائحة الطعام وتنتصب المائدة الرمضانية بكل ترتيبها، تتجلى روح رمضان في أبسط تفاصيلها، المفارش البيضاء، الأطباق النظيفة، والدوارق الزجاجية التي تعكس نور الغروب

 في سلسلة “حكاية ساعة قبل الفطار”، كل قصة تحمل قلب رمضان وروحه، واليوم نفتح الصفحة الثالثة مع «مائدة الرحمن»، حيث يرافقنا مرسي على هذه المائدة، ليكتشف دفء المشاركة وقيمة الإنسانية في رمضان، ويعيش تجربة مليئة بالدروس الصغيرة التي تترك أثرها في القلب قبل لحظة الإفطار مباشرة.

مائدة الرحمن

مرسي اعتاد منذ طفولته أن يفطر في موائد الرحمن. حين انتشرت هذه الظاهرة في سبعينات القرن الماضي، كان صغيرًا، وكان والده يأخذه هو وأخوه وأمه إلى مائدة بعيدة عن بيتهم في دير الملاك يختار الأب مائدة قريبة من قصر القبة، حتى لا يراهم صدفة أحد من الجيران.

كان مرسي يسمع أمه تقول:

ـ  ياخويا، ليه مشحططنا كده؟ مش كل جيرانا بيفطروا في الموائد زينا.

ضحك الأب وقال:
ـ  حقًا… دالممكن حرامي يدخل ساعة الفطار يقشقش البيوت كلها.

ردت الأم بابتسامة:
ـ  وتفتكر يعني الحرامية مش عارفين؟ عارفين، بس كمان عارفين إن البيوت فاضية ومافيهاش حاجة تنسرق.
ويضحكون جميعًا.

مرت السنون، ومرسي صار يتمنى ألا يكون يومًا من زبائن موائد الرحمن. خرج من الجامعة، ورفض في رمضان أن يذهب مع والديه لأي مائدة، لكنه لم يجد عملًا يجعله يساعد أسرته ويغنيهم عن ذلك.

وعندما حصل على عمل، كان في الإسكندرية، قبل رمضان بأيام قليلة، وانتقل إلى سكن مع عدد من زملائه الأغراب في منطقة القباري، حيث عمل في إحدى شركات النقل.

تخرج مرسي من كلية التجارة، ولم يجد عملًا مناسبًا في القاهرة؛ كانت الوظائف المتاحة له محدودة، أو برواتب بخسة لا تكفي، بينما بعض زملائه وجدوا وظائف في بنوك أو مصانع، لكنه لم يكن له وسيلة تساعده.

عندما وجد شركة توفر راتبًا ثابتًا، وافق فورًا رغم أنها في الإسكندرية. شجعه والده قائلاً:
ـ  كويس خالص… كمان أنت اسمك مرسي، يعني إسكندراني. وإن شاء الله في الصيف نصيف عندك مرة قبل ما نموت.

أما أمه، فخافت عليه من بنات الإسكندرية، وبالأخص بنات بحري:
ـ  يا بني، انت شفتهم في الأفلام شكلهم إيه؟ استغفر الله العظيم… دا أسهل حاجة عندهم المايوه.

ضحك مرسي وقال لها:

ـ  يا أمي، دا كان زمان… الدنيا اتغيرت خلاص، ما فيش فرق بين بنات بحري وقبلي، كلهم الحمد لله… يا بالحجاب يا بالنقاب.

في نفسه كان يتمنى أن يأتي الصيف ليشاهد شواطئ المدينة التي لم يزرها، ويري النساء على الشواطئ كما تقول له أمه، رغم علمه أن ذلك لن يحدث.

سأل زميله عن الأمر، فانطلق يضحك ساخراً، واعتبره أهبل أو مسكين. فأجابه زميله:
ـ  دا موجود، لكن في الساحل الشمالي، والشواطئ الخاصة في العجمي مثلاً.

سأله مرسي:
ـ  يعني إيه خاصة؟
قال له زميله:
ـ  يعني تدفع مرتبك علشان تدخل وتقضي طول الشهر جعان… خلينا في المهم، أنت حتعمل إيه في رمضان؟
ارتبك مرسي وقال:
ـ  يعني إيه؟
أجابه زميله:
ـ يعني حتفطر فين؟ ليك قرايب هنا نفطر مع بعض؟ إنت عارف رمضان يحب اللمة.
ـ لا… ما عرفش حد نفطر معاه.
ضحك زميله وقال:
ـ يبقى انت زميل بجد… حتى تجي معايا موائد الرحمن.

أبدى مرسي امتعاضه، لكنه لم يشأ أن يقول له إنه لا يريد أن يمضي عمره في موائد الرحمن. سكت وترك نفسه لزميله يأخذه إلى أول مائدة، وكانت في بحري، قريبة من جامع سيدي المرسي أبو العباس، وكانت بالفعل نظيفة.

الطرابيزات طويلة، مفارش بيضاء نظيفة، والأطباق لامعة، والدوارق زجاجية نظيفة، والأكواب والملاعق مصقولة. لا شيء قديم أو قذر، والطعام يُطهى بعيدًا عنهم.

قال له زميله بعد الفطار:
ـ بعد كده ابقي صلي… إنت عمرك ما فطرت في مائدة رحمن؟

سكت مرسي. كان الجوع يقرصه في بطنه بشكل كبير، فمد يده إلى دورق به عناب وشرب منه، ثم قال:
ـ الحمد لله… والله عمري ما شبعت زي النهاردة.

لكنه في نفسه قرر أن لا ينسى هذا الدرس في الأيام القادمة، وأن يقدّر قيمة ما يقدمه رمضان من دفء ومشاركة وإنسانية، مهما اختلفت الظروف، وأن موائد الرحمن ليست مجرد إفطار مجاني، بل تجربة حياة وتعلم للكرم والاحترام والامتنان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء